القسر                                                               Coercion

هو شكل من أشكال علاقة القوة. وشأنه في ذلك شأن جميع تلك العلاقات. فهو يعتمد قبل كل شيء على امتلاك قدرة يمكن تحويلها بحيث تصبح أدوات سياسة للقيام بالتهديدات. وعند النظر في السلوك القسري بشكل مجرد يفكر معظم الناس أولاً بالقدرات العسكرية وتوجيه التهديدات التأديبية. فالقسر إذاً يتصل بأفكار عن الردع. إلا أن أدوات السياسة الاقتصادية يمكن أن تكون أيضاً قسرية إلى درجة عالية. وبما أن العقوبات الاقتصادية تسعى بشكل خاص لحرمان عنصر فاعل مستهدف من سلع وخدمات نادرة، فيجب ضمّها إلى ذخيرة الاستراتيجيات القسرية.

 وبما أن الأمر ينطوي على تكاليف، عند إصدار التهديدات وعند تنفيذها، على حد سواء، فإن العنصر الفاعل الذي يحاول فرض إرادته على طرف مستهدف عنيد كثيراً ما يأمل أن مجرد التهديد بالقسر يكفي لتأمين الامتثال. فإذا تبين عكس ذلك، فإنه يتعين على الذي فرض إرادته أن يقرر ما إذا كان سينفّذ ما هدد به أم لا. هذه القرارات كثيراً ما تتمحور حول اعتبارات الصدقية والسمعة.

الحرب الباردة                                                                Cold War

 

مصطلح استحدثه الصحفي الأمريكي اتش. بي. سووب  (H. B. Swope) ودعمه والتر ليبمان (Walter Lippman) ويطلق على حالة "ليست بالحرب ولا بالسلم" بين الكتلتين الغربية (غيرالشيوعية) والشرقية (الشيوعية) بعد الحرب العالمية الثانية. وكادت المنافسات التقليدية بين القوى العظمى تؤدي إلى اشتباكات مسلّحة فعلية مع أن زعماء الكتلتين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي سابقاً، اقتربا من ذلك خلال عدد من الأزمات الحادة – لا سيما المواجهة المقترنة بالصواريخ الكوبية عام 1962 وفي 1973 إبان العنف العربي – الاسرائيلي. ومن جوانب أخرى تظهر سنوات مجابهة الحرب الباردة دبلوماسية تخاصمية نموذجية: سباق التسلّح، البحث عن حلفاء، سياسة حافة الهاوية، العداء الايديولوجي، التدخل الجازم. غير أنه من الخطأ تصور الحرب الباردة على أنها علاقة عداء ومنافسة وتوتر لا تلين إذ إنه تخللتها فترات انفراج ذات إطار ومجال متزايدين تدريجياً، منها أربع فترات: الفترة التي تلت موت ستالين في 1953، الفترة التي تلت نهاية أزمة الصواريخ الكوبية في 1962، الفترة المقترنة بمبدأ نيكسون والفترة المعروفة بمبدأ غورباتشوف. بل لقد تم في غضون سنوات غورباتشوف (1985-91) إنجاز نهاية للحرب الباردة تم التفاوض بشأنها عبر سلسلة من مؤتمرات القمة مع الولايات المتحدة.

 ومن منطلق إطار ايديولوجي أكثر صراحة من الممكن اعتبار الثورة البلشفية التي حدثت في نوفمبر 1917 تحدياً للعقائد الأساسية للاستثنائية الأمريكية وبهذا القدر فإن من شأن وجود عضوين لنظام الدولة لهما منطلقات مختلفة عن المجتمع، من شأنه أن يشكل سبباً لازماً – إن لم يكن كافياً – للصراع. لقد كانت التحديات الثورية من النوع البلشفيكي – أو حتى من النمط المكسيكي – معادية لمبدأ ويلسون. فقد اقترن التدخل الأمريكي في النزاع المدني داخل الامبراطورية الروسية السابقة ضد البلشفيك بـ "الرعب الأحمر" الأول (1919 – 20) في أمريكا. وفي 1919 أيضاً بدا أن لينين يقول ضمنياً إن الدولة السوفياتية الجديدة لن تستطيع التعايش مع الدول "البورجوازية" مدة طويلة. وبدت الدلالات الأولى لاحتمال التعايش السلمي بين النظامين ضرباً من الوهم والخيال.

 وعملت الحرب العالمية الثانية على دفع الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى المقدمة من حيث الأهمية الدولية لدرجة أنه تم استحداث عبارة القوى العظمى للدلالة على هذا الوضع. وكان التعاون النشط في السعي لإحراز النصر على المِحْوَر يعني أن كل طرف كان منخرطاً في جهود دبلوماسية لإقامة نظام بعد الحرب من شأنه أن يتناسب مع أهدافه الحربية وقيمه الأساسية. وقد سعى زعيما الدولتين – ومعهما المملكة المتحدة – إلى التوصل إلى اتفاقات ومفاهمات (ضمنية جداً في بعض الأحيان) حول النظام العالمي الذي يفضلونه. وكما هو الحال دائماً، فقد تم التعبير عن الأفكار الأمريكية عبر تعددية أطراف تم إنعاشها وتم تنفيذها بأقوى ما يكون عبر مجموعة المنظمات الحكومية الدولية (IGOs) المقترنة بمؤتمر بريتون وودز (Bretton Woods). كانت الأهداف الحربية السوفياتية أكثر اقتصاراً من الناحية الاستراتيجية الجغرافية على أوروبا وضمن ذلك السياق على تجزئة المانيا وإرساء قواعد منطقة نفوذ في أوروبا الوسطى والشرقية. وقد أدى التنفيذ السوفياتي لهذه الأهداف والنظرات المتباينة لمبدأ تقرير المصير إلى الشك والعداء المتبادلين. ثم إن بعض الخصومات السابقة ذات البواعث الايديولوجية والتي تعود إلى 1917 – 20 أخذت تطفو على السطح من جراء تأثير التفكير بأسوأ الحالات في القيادات السياسية على طرفي الستار الحديدي. وقد أظهر خروشوف في خمسينيات القرن العشرين مدى الاعتباطية التي اتسم بها حكم ستالين، مثل استعمال معسكرات العمال وعمليات النفي الجماعي التي تم إثباتها لاحقاً. وفي أمريكا أصبحت مناهضة الشيوعية سلاحاً سياسياً فعالاً يستعمله (ويسيء استعماله) السياسيون من الحزبيين على حد سواء. وبدا انتخاب الكونغرس الثمانين في 1946 الذي تضمن أكثرية من الحزب الجمهوري في المجلسين على أنه دلالة على تحرك نحو اليمين بلغ ذروته في تحريض على شكل محكمة تفتيش سياسية تحت عنوان "المكارثية".

 وكما لاحظ كينيدي (1988) لقد خلّفت نهاية الأعمال الحربية ولايات متحدة تمتلك قدرة عسكرية واقتصادية كبيرة بلغت ذروتها في امتلاكها للأسلحة النووية. وقد جعل استخدام الجيل الأول من الأسلحة الذرية ضد هدفين يابانيين، جعل أمريكا طليقة اليدين في إبرام معاهدة سلام مع اليابان منسجمة كلياً مع مبادئ الاستثنائية الأمريكية. وفي أوروبا بدا أن القدرات العسكرية التقليدية السوفياتية تشكل تهديداً لدول أوروبا الغربية بأن تصبح رهينة مفترضة حتى تتم إعادة توطيد القدرة العسكرية الأمريكية لإصلاح التوازن. وقد أدرك الزعماء الأمريكيون بسرعة مدى الإعياء الذي تعاني منه أوروبا الغربية في شتاء 1946 – 7 ووُضِع مشروع مارشال لإعادة إعمار الأساس الاقتصادي لأوروبا. وقد كان رفض المشروع من قبل السوفيات (وقد يكون ذلك قد عجّل في إقراره في الكونغرس) يعني أن تنفيذه قد أدى إلى تصلب انقسامات الحرب الباردة في أوروبا. وكان مشروع مارشال قد سبقه في ربيع 1947 مبدأ ترومان الذي اتفق الجميع على أنه طُرِح على الشعب الأمريكي بحيث صوّر الحرب الناشئة من منطلقات مانوية (Manichean). وضمن أوروبا أدى تقسيم المانيا بين الغرب والشرق وضم الجزء الغربي الأكبر إلى المعسكر غير الشيوعي إلى التعجيل بحدوث أزمة برلين الأولى والاتفاق من حيث المبدأ على أن على أمريكا أن تقدم بعض الضمانات الأمنية الملموسة بغية ردع القسر السوفياتي. وكان نتيجة ذلك توقيع معاهدة شمالي الأطلسي في 1949 وتحويلها إلى منظمة حكومية دولية على اثر اندلاع الحرب الكورية في 1950. وبحلول ذلك التاريخ كانت الولايات المتحدة منخرطة كلياً في توسعة سياسة الحرب الباردة التي تتبعها لاحتواء آسيا. وقد أثارت تسوية صراع الحرب  الأهلية الصينية لمصلحة قوات ماوتسي تونغ ذُعر القيادة الأمريكية.

 وقد أطلق الانتصار الشيوعي في الصين سلسلة من التحقيقات الاستنباطية في كيفية "ضياع" الصين. وقد تفاقم الوضع جراء تدخل الصين اللاحق في الحرب الكورية وسمم العلاقات مع الجمهورية الشعبية لمدة عقدين من الزمن. وقد وفرت نظرية الدومينو على ما يبدو الأسباب المنطقية لهذه الأحداث.

من الناحية الهيكلية أعطى نظام الحرب الباردة شكلاً ثنائي المحاور متميزاً للسياسة العالمية. وكأنما أرادت الولايات المتحدة إحداث انعطاف آخر غير متوقع لهذه الأشكال فقد بدت مصممة على توسعة بنيان التحالف الأوروبي ليشمل اتجاهاً عالمياً خلال خمسينيات القرن العشرين. وقامت الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان، فيما يسمى استخفافاً "هوس الأحلاف"، خلال سنوات (1951 – 4)، في حين أن المعاهدات متعددة الأطراف تضمنت معاهدة أنزوس (ANZUS) وسياتو (SEATO). وفي أوروبا كان رد الاتحاد السوفياتي على ضم قوات ألمانيا الغربية إلى الناتو تأسيس حلف وارسو. وبعد موت ستالين في 1953 ابتدأت فترة الانفراج الأولى بالنجاح في تحييد النمسا ودبلوماسية القمة والاعتراف بالحاجة إلى التعايش السلمي.

 وبحلول منتصف الخمسينيات اتضح أن فترة الانفراج الأولى أشرفت على نهايتها. فقد تدخلت القوتان العظميان ضمن نطاق نفوذ كل منهما – الولايات المتحدة في غواتيمالا، والاتحاد السوفياتي في هنغاريا – للحيلولة دون تغييرات كانت تعتبر ضارة بمصالح الحرب الباردة. بل لقد توسعت الذخيرة الأمريكية من أدوات التدخل خلال تلك السنوات حين أطلق العنان لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتقوم بزعزعة استقرار دول كانت أنظمتها تعتبر معادية لأمريكا (وبالتالي معادية للغرب). وكان مقدراً لزعزعة استقرار إيران الناجح أن يعود ليقض مضجع الولايات المتحدة إبان سنوات كارتر، بالطبع. وفي فيتنام، قامت أمريكا بالتشجيع النشط لإقامة نظام غير شيوعي في الجنوب بعد 1954 مستخدمة أدوات السياسة ذاتها.

 وكان تأسيس الجماعات الأوروبية في الخمسينيات إيذاناً باتجاه نحو صورة أكثر إسهاباً لهيكل الحرب الباردة من منطلق الاقتصاد السياسي. وكان من المفروض أن يؤدي الانتعاش الاقتصادي اللاحق لأوروبا الغربية (وفي آسيا – المحيط الهادئ لليابان) إلى نشوء تدبير ثلاثي المحاور بين تلك العناصر الفاعلة الثلاثة مع زيادة انزلاق الكتلة السوفياتية خارج المنافسة كخصم مفترض للغرب من حيث الجوانب الاقتصادية. ومع أنه حدث غزل قصير الأمد بفكرة "نموذج شيوعي" للتنمية الاقتصادية. في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات فقد كان هذا النموذج أكثر وضوحاً في خيال الأكاديميين و"محاربي الحرب الباردة" منه في عالم الواقع. وكما أوضح سبيرو (Spero) وهارت (Hart) (1997) فإن الخصائص الهيكلية للحرب الباردة من منطلقات اقتصادية كانت دائماً مختلفة عن البعد العسكري – الأمني.

في خمسينيات القرن العشرين أصبح العالم الثالث مجالاً رئيسياً للقضايا الخلافية في الحرب الباردة. فقد جابه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أحدهما الآخر ودول العالم الثالث بطائفة من الحوافز التي تحركها الايديولوجيات للميل باتجاههما. وكان رد الجيل الأول من أولئك الزعماء في افريقيا والشرق الأوسط وآسيا تبني مختلف نظريات الحياد وعدم الانحياز. وقد أدّى الإدراك بأن حروب التحرير الوطني في العالم الثالث تشكل تهديداً للمصالح الغربية إلى البحث عن رد مناسب مناهض لحالات التمرد. وقد دفعت إدارة كينيدي باستثمارات كبيرة لضمان فعالية هذه التدابير، حيث رأت أن الحالة الأمنية المتنامية في فيتنام الجنوبية مختبر لتلك النظريات.

كانت أزمة الصواريخ الكوبية لحظة حاسمة في الحرب الباردة. فقد أدت إلى تغيير في القيادة في الاتحاد السوفياتي. وشجعت الصينيين على معاودة إطلاق شكاواهم ضد القيادة السوفياتية للدول الشيوعية. وأدت إلى زيادة هامة في النفقات الدفاعية في الاتحاد السوفياتي حيث إن المجمع العسكري – الصناعي استخدم الأزمة للحصول على الالتزام بتحقيق تكافؤ مع الولايات المتحدة. وأصاب حلف الناتو شرخ, حيث أظهرت الأزمة كيف أن التشاور يصبح خاوياً في الأزمات الطارئة. وهنا انبرت الديغولية لمهاجمة النسخة الأوروبية الغربية للمركزية المتعددة. ورغم هذه الابتهالات فقد شجعت كوبا أيضاً على إقامة جولة ثانية من المبادرات ذات الصلة بالانفراج كان أشهرها الحظر الجزئي للتجارب. وقد أدى موت كينيدي وخلع خروشوف إلى إزاحة "اللاعبين" الرئيسيين في الأزمة وأدت إلى زيادة صعوبة المحافظة على زخم الاتجاه نحو التعاون والتعاضد. كما أن ازدياد انشغال أمريكا في حرب فيتنام في عهد جونسون لم يشجّع أياً من التعاون والتعاضد.

لقد أدّى تدجين حرب فيتنام في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، إضافة إلى ولع إدارة نيكسون بالانتقام الذي ترعاه الدولة ضد الخصوم المحليين والدوليين، أدى إلى أزمة ثقة طبيعية في الولايات المتحدة بمؤسساتها الحكومية – وبشكل حاسم بشأن "الرئاسة الامبراطورية". وقد نجم عن الانهيار الفعلي للموقف الأمريكي في فيتنام بعد هجوم تيت (Tet Offensive) – الذي صوره نيكسون في انتخابات 1968 على أنه "سلام مشرف" – نجم عنه إعادة تقييم السياسة في آسيا وبالتالي على النطاق العالمي. تلك كانت خلفية مبدأ نيكسون الذي كان بلا شك أكثر الرسائل إثارة للخيال وتحدياً للفكر من بين الرسائل التي طرحها خلفاء ترومان. لقد كان من أثر المبدأ أن نقل تعريف الحرب الباردة إلى توكيد ثلاثي المحاور. وكانت عودة الإدارة إلى الانفراج أكثر شمولاً وتقيداً بالمبادئ من الحالات السابقة.

مع أن بعض المحافظين الأمريكيين أصبحوا يسمون عقد السبعينيات بأنه "عقد الإهمال" إلا أن حُكماً أكثر توازناً من شأنه أن يعترف بأن تغييرات هامة في السياسة العالمية قد انعكست على الحرب الباردة. وقد نجم عن انهيار نظام بريتون وودز والتشكك في الهيمنة الأمريكية في ميدان الاقتصاد السياسي أول محرك للفرضية الأفولية. ويُعد كتاب روزيكرانس (Rosecrance) (1976) "أمريكا كبلد عادي" (America as an Ordinary Country) كتاباً نموذجياً عن هذا الاستبطان. وفي أوروبا كانت تشير السياسة الشرقية (Ospolitik)، واتفاقيات هلسنكي (Helsinki accords) والتسوية المتعلقة ببرلين إلى تخفيف كبير للتوتر. وأوجدت أزمة الشرق الأوسط عام 1973 المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي مبادرة منظمة الأقطار العربية المنتجة للنفط (OAPEC) لاستخدام "سلاح النفط" و"أزمة الإنذار" (Alert Crisis) بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ويرى ليبوو (Lebow) وشتاين (Stein) (1994) في هذه الأزمة بداية نهاية الانفراج بين القوتين العظميين. وكان تدخل السوفيات في أفغانستان وانهيار عملية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT) نتيجتين لنهاية العقد تشيران إلى ثمانينيات القرن العشرين والحرب الباردة "الثانية".

جاء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في 1981 يحمل مفهوماً للحرب الباردة لعله أكثر انغماساً في الايديولوجية من أي رئيس في الحكم. ويعد مصطلح "الحرب الباردة الثانية" استعمالاً مقبولاً بالنسبة للمقاربة المتبعة خلال مدة رئاسة ريغان الأولى. وقد اتسمت تاريخياً بالأزمة الأفغانية وبانهيار عملية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية كنقاط بداية ومبدأ غورباتشوف (ورد ريغان) كنهايات. كانت الحرب الباردة الثانية قصيرة الأمد تاريخياً وكانت بكل تأكيد أقل شمولاً من نسخة الأربعينيات. كانت الحرب الباردة الثانية موجهة ضد القوة السوفياتية وليس ضد الكتلة الشيوعية. واعتبر انفتاح نيكسون على الصين واعتراف كارتر شيئين لا ينتهكان. وكانت الحرب الباردة الثانية مما يحبّذه الأمريكيون لكنها لم تكن مقترنة بأي شيء مثل مكارثية الخمسينيات. وفي الثمانينيات كانت مخاوف الأمريكيين من الدمار والتخريب في العالم الثالث وليس في أمريكا ذاتها هي الحاسمة. وفي أوروبا كانت فكرة حرب باردة ثانية تلقى تغطية مختلطة في الصحف. فقد كانت حكومة ثاتشر مؤيدة لكن زعماء أوروبيين آخرين كانوا أقل انحيازاً بالنظر لرؤيتهم ما تنطوي عليه تلك الحرب بالنسبة للسياسة الشرقية والفرص الاستثمارية إذا أرادوا اتباع أمريكا في اتخاذ موقف أكثر مجابهة. كان الكثيرون من الأوروبيين يرون أن خطاب ريغان ينطوي على خشونة ودوغماتية أكثر مما ينبغي. ولعله لم يكن لأي رئيس أمريكي مشكلة "جمهورين" بين أمريكا وأوروبا كما كان لرونالد ريغان. وقد شجّعت سياسات ريغان على نمو حركة السلام في أوروبا بعد 1980 وحتى على الصعيد الحكومي الرسمي فإنها لم تساهم إلا قليلاً في تحسين فكرة الشراكة الأطلسية. وكان تفتح مبدأ غورباتشوف ليصبح إعادة تحديد للعلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الإرث الدائم لتلك المبادرة. فبعد أن تم فهم نطاق ومجال هذه التغييرات أصبح رد ريغان إيجابياً. وعلى الصعيد الداخلي أصبح ريغان بحلول 1986 واقعاً تحت ضغط من أجل معالجة المشكلة المتنامية للاقتصاد الأمريكي. وكانت أصداء الهجوم الأفولي تشق عنان السماء وكانت أسرار "ايرانجيت" (Irangate) التي تم الكشف عنها تهدد بتلويث سجل ريغان. وإذا لم يكن ريغان محاصراً فإنه كان بالتأكيد يفتقر إلى الأفكار وكان من المحتمل أن تضمن الاستجابة لمبادرات غورباتشوف للرئيس مكاناًَ مرموقاً في التاريخ.

أصبح ميثاق باريس الآن النقطة المفضلة للإشارة إلى نهاية الحرب الباردة.
 ويظل عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين نقطة تحول حين أصبحت التغييرات تتبع ديناميتها الخاصة بها. إن انهيار الشيوعية والتفجر الداخلي للاتحاد السوفياتي يجعلان تقييم الحرب الباردة أكثر صعوبة. وتعد المصطلحات مثل "السلام طويل الأمد" متمركزة حول أوروبا إذ
إن الصراع العنيف كواقع عالمي كان واسع الانتشار وشديد الدمار خلال سنوات الحرب الباردة. ويمكن القول إنه عند محاولة الكشف عن أسباب الصراع الشامل بعد 1945 فإن الحرب الأهلية لا تعد بحد ذاتها عاملاً مسبباً رئيسياً. على أنه يمكن المجادلة بأن الحرب الباردة أدت إلى تفاقم صراعات عديدة من خلال تشجيع الأطراف المتصارعة على البحث عن حلفاء من بين أبطالها. كما أن العواقب المحلية والسياسية والاقتصادية والثقافية للحرب الباردة بالنسبة لأبطالها كانت مختلطة أيضاً، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث أفضى اتباع سياسة مناهضة الشيوعية والمواجهة مع القوة السوفياتية إلى إيجاد جهاز أمن قومي أثر في المعايير الديمقراطية من خلال تقييد المشاركة في رسم السياسة والمعلومات المتصلة بنتائج السياسة. لقد أثّرت الحرب الباردة في حياة جميع الذين عاشوها. ولا تزال ظلالها تغطي سنوات القرن الأخيرة والتي يشار إليها بوصف مناسب على أنها "فترة ما بعد الحرب الباردة".

 

الحرب الباردة وعلم العلاقات الدولية

 

The Cold War and the discipline of IR

عدا الأوصاف الجوهرية لأحداث وتطورات الفترة التي تشمل الحرب الباردة، تتركز التحليلات الأكاديمية حول سؤالين عامين: لماذا نشأت  ولماذا انتهت؟ بالنسبة للأسباب، كان المعلقون الأوائل يميلون إلى إلقاء المسؤولية على اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والتزام الشيوعية الدولية طويل الأجل والمصرح به بالثورة العالمية. فهذا الهدف الاستراتيجي السوفياتي قد أدّى، من منطلق دينامية النظرية التقليدية للعلاقات الدولية المتمثلة بالفعل ورد الفعل، قد أدّى إلى رد الفعل الغربي المتمثل بسياسة الاحتواء. ذلك هو الإطار المرجعي الفكري الذي حدد ضمنه معظم الأكاديميين الغربيين وصانعو السياسة موضع الصراع والذي كان يعتبر تمثيلاً خاصاً للمعضلة الأمنية التي لا تختلف في جوهرها عن تلك التي وصفها توسيديد (Thucydides) في القرن الخامس قبل الميلاد بشأن الحرب البيلوبينيزية: "إن ما جعل الحرب محتمة هو نمو قوة أثينا وما أثاره ذلك من خوف لدى اسبارطة (Thucidedes, 1982 ed.). وكرد فعل على هذه النظرة الواقعية أخذت الأوصاف الراديكالية و"التعديلية" (revisionist) تظهر في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات والتي مع أنها قبلت الإطار التصوري للقراءة التقليدية، فإنها ألقت اللوم لا على السوفيات بل على الامبريالية الغربية ولا سيما السعي الرأسمالي لتحقيق السيطرة الاقتصادية على العالم. وفي الثمانينيات أكملت المدرسة "ما بعد التعديلية" المثلث التاريخي بإلقاء اللوم على كلا المعسكرين، منوهة كثيراً بأن خطأ الإدراك كان السبب المباشر (Jervis, 1976, Lebow and Stein, 1994).

أما بشأن انقضاء الحرب الباردة فثمة إجماع على أن العامل الأكثر أهمية هو "التفكير الجديد" لغورباتشوف واندفاعه للانفتاح (الشفافية) (glasnot) وإعادة الهيكلة (perestroika) والديمقراطية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية من 1985 فصاعداً. فالتنازلات واسعة النطاق التي ولّدتها هذه المبادرات (التي عمل مبدأ ريغان على تسريعها أو إكمالها) قد أنهت الحرب الباردة بالفعل. أما أن هذا قد أدى إلى انحلال الاتحاد السوفياتي نفسه فإنه يعتبر بوجه عام نتيجة غير مقصودة وغير متوقعة. وإضافة إلى الاعتراف بالدور الحاسم الذي قام به غورباتشوف، فقد خَلُصَت أيضاً كثير من الأوصاف الغربية الأكثر ايديولوجية إلى أن نهاية الحرب الباردة تمثل في الواقع "انتصاراً" للغرب ومفاهيمه السياسية والاقتصادية. فقد كتب فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) في مقال شهير نشر عام 1989 يقول إن: "ما نشاهده الآن ليس نهاية الحرب الباردة، أو انقضاء فترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، فحسب، بل أيضاً نهاية التاريخ بهذا المعنى: أي، نقطة نهاية  تطور البشرية الايديولوجي وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية بوصفها الشكل النهائي للحكومة الإنسانية" (صفحة 4). ومع أن حدة تبجح فوكوياما بالانتصار قد خفّت نوعاً ما، فقد أصبحت فكرة ويلسون القائلة إن الديمقراطية الليبرالية هي الحل للصراع الدولي فكرة تتخلل الأبحاث الأنجلو – أمريكية بعد الحرب الباردة.

رغم الترحيب العام بنهاية الحرب الباردة فإنها تسببت فيما يشبه الأزمة في النظرية التقليدية للعلاقات الدولية. فما من أحد النموذجين الواقعي الجديد والليبرالي الجديد قد تنبأ بالتغيير الشامل على هذا النطاق الواسع. وقد جعل فشل كلتا النظريتين الرئيسيتين للسياسة الدولية في توقع نهاية الحرب الباردة أحد كبار المختصين يخلُص إلى أن ذلك برهان دامغ ضد علم العلاقات الدولية وأن هذا الميدان قد أفلس (Gaddis, 1992, p.44). وتلك نظرة متطرفة لكن القليلين هم الذين يشكون بأن أحداث عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين تشكل "فشلاً معقداً" لهذا العلم ككل (أي الفشل في التفسير الصحيح للمعلومات المتوفرة). لقد أخطأ البحاثة الطريق في مجموعهم في ميدان العلاقات الدولية، وأخطأ إلى حد أقل نظراؤهم في الدراسات السوفياتية، جراء التصاقهم بافتراضات جبرية غير مجرّبة بشأن سلوك القوى العظمى ودور الأفكار والأنظمة الإيمانية والزعامات في تحقيق النتائج. ونتيجة ذلك فقد كانت أجندة أبحاث الاتجاه السائد في العلاقات الدولية تحت سيطرة هاجس المسائل المتصلة بالاتجاه السائد لاستقرار القوى العظمى ("السلام متطاول الأمد") بدلاً من المسائل المتصلة بالتغير أو التحول. وقد شذ عن ذلك بشكل خاص غيلبين (Gilpin, 1981). وبناء عليه شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة ليس عودة إلى النظرية المعيارية فحسب، بل أيضاً تجدد الاهتمام بالتعاون في ظروف الفوضى واستقصاء أنماط بديلة للتفسير والأنظمة البديلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية (Lebow and Rise - Kappen, 1995).

انظر Critical theory/ Postmodernism (النظرية النقدية/ ما بعد الحداثة).

الضرر غير المباشر                                  Collateral damage

مصطلح يطلق في التحليل الاستراتيجي على ما يلحق من دمار بالأشخاص والممتلكات المجاورة للهدف. وكثيراً ما يختلف الطرف المهاجم مع الضحية حول موضوع النية. وقد يُستخدم الدليل على أن الضرر غير المباشر قد حدث عن قصد لأغراض دعائية أو لدعم الادعاءات بجرائم الحرب. وقد حددت التطورات قريبة العهد في القانون الدولي فروقات واضحة بين الأهداف المشروعة. فقد حدد بروتوكول جنيف الخاص باتفاقية 1949 السكان المدنيين والأشياء المدنية على أنها غير مشروعة في هذا السياق. ويبرز القصد والإهمال بشكل واضح في إثبات تلك التهم ضد طرف ما مهاجم.

 وقد جعلت التطورات التكنولوجية حديثة العهد التي اعتبرت ثورة في الشؤون العسكرية من الممكن مهاجمة الأهداف بأسلحة موجهة بدقة بالغة. وقد استخدم مصطلح الضرر غيرالمباشر كثيراً أثناء حرب الخليج بحيث أصبح الآن من مفردات تحليل وسائل الإعلام.

الأمن الجماعي                                       Collective security

يعد مفهوم الأمن الجماعي، شأنه في ذلك شأن عصبة الأمم التي يقترن بها اقتراناً وثيقاً، ابتكاراً هاماً في علاقات القرن العشرين الدولية، يؤكد أن أفضل وسيلة للتغلب على معضلة الأمن ليست من خلال المساعدة الوطنية الذاتية وميزان القوى، بل من خلال إرساء قواعد التزامات جماعية تتعهد بموجبها كل دولة بالانضمام إلى الجهود المشتركة ضد أولئك الذين يهددون سلامة أراضي الدول الأخرى أو استقلالها السياسي. ومنطلقه الأساسي هو شعار الفرسان "الجميع للفرد والفرد للجميع". وليست فكرة الدفاع المشترك بالجديدة. فهي معروفة في التاريخ الدولي على الأقل منذ اليونان القدماء فصاعداً، وتتجلى عناصر منها في كتابات المصلحين والراديكاليين مثل بيير دوبوا (Pierre Dubois) (1306)، ودوق سولي (duc de Sully) (1638)، وكانط (Kant) (1795) وبنثام (Bentham) (1789). غير أن المثل الأعلى للأمن الجماعي لم يكتسب قوة الزخم حتى الحرب العالمية الأولى وتداعي الفكرة القائلة إن الفوضى الدولية يمكن تحملها.

لذا فقد تكرست فكرة الالتزام العالمي والدائم والجماعي بمقاومة العدوان وضمان الأمن في ميثاق عصبة الأمم (المادة 10) وعاد إلى الظهور بشكل معدل في ميثاق الأمم المتحدة (الفصل السابع). وتعتمد فعاليته على كون كل دولة مستعدة، بصرف النظر عن مصالحها الخاصة أو المباشرة، لكي تتعهد بالأخذ على أيدي المعتدين، حيث يفترض أنه من الممكن بهذه الطريقة تنظيم تحالف غالب من الدول المتوافقة في الرأي ضد أي معتد بصرف النظر عن هويته. فكان الردع والعقاب وإعادة النظام جزءاً من أسبابه المنطقية. ويذكر الفشل المعيب للعصبة في توفير الأمن الجماعي (منشوريا 1931، اثيوبيا 1935، راينلاند 1936، النمسا 1938، تشيكوسلوفاكيا 1939، وفنلندا 1940) بالاستمرار الشاذ للمنظور الفردي بدلاً من الجماعي في صياغة إدارة السياسة الخارجية.

بالنظر لهذا السجل الهزيل قد يبدو من العجب أن نجد الأمم المتحدة تسير على خطى عصبة الأمم في مؤتمر الميثاق عام 1945. فقد أعطيت دول الفيتو الخمس وضعاً خاصاً – ومسؤولية متناسبة مع مركزها – في نظام الأمم المتحدة حيث يتضمن الفصل السابع مخزناً مليئاً بالتدابير القسرية لتقوم المنظمات الحكومية الدولية باستعمالها في حال تهديد محتمل أو واقع للسلام. وقد تم تفعيل هذه السلطات في مناسبتين منذ 1945: في حالة الحرب الكورية لعام 1950 وفي حرب الخليج عام 1990. ففي الحالة الأولى تم "تمرير" القرارات المخوِّلة في مجلس الأمن في غياب الاتحاد السوفياتي السابق واستبعاد الجمهورية الشعبية من مقعد الصين. وكانت الحرب الباردة في ذلك الوقت في أوجها وكانت إدارة ترومان مصممة على توسعة منظورها للاحتواء ليشمل السياق الآسيوي. وقد أدت هذه الممارسة المثيرة للجدل إلى تعريض حياد الأمم المتحدة للفضيحة وكان لها أثر بالغ الضرر على مركز الأمين العام القائم في نظر قطاعات هامة في المنظمة.

 وقد اعتبر الكثيرون النشر الدرامي للقوة العسكرية من قبل تحالف 28 دولة ضد العراق عام 1990 دليلاً على أن الأمن الجماعي قد بلغ سن الرشد في العلاقات الدولية وأن العوائق في الفترة التالية للحرب الباردة التي سبق أن حالت دون تحقيق الأمم المتحدة لأهدافها في مجال السلام والأمن قد أزيلت. ولقد كان التضامن واسع النطاق في إدانة ضم العراق للكويت والسرعة التي استجاب بها مجلس الأمن هو بالضبط ذلك النوع من السيناريو الذي توخاه الآباء المؤسسون في 1945. على أن هذا التفاؤل المبكر بشأن الأمم المتحدة والأمن الجماعي تبين أنه سابق لأوانه حيث إن العديد من الصراعات التي دعيت الأمم المتحدة بعد ذلك لمعالجتها كانت صراعات ضمن حدود الدولة الواحدة وليس عبر حدود الدول. وكانت حرب الخليج فريدة في سياسة ما بعد الحرب الباردة الدولية بمعنى أنها كانت الحالة الوحيدة التي تم فيها احتلال كامل أراضي دولة عضو من قبل دولة أخرى. ثم انه وجدت شكوك مشروعة فيما إذا كانت هذه العملية حقاً مثالاً على عمل الأمم المتحدة. فالحرب لم تكن تدار في الواقع تحت رعاية الأمم المتحدة، بل كانت بقيادة الولايات المتحدة وبوحي منها. فكانت سلسلة القيادة طيلة الحرب تؤدي إلى المكتب البيضاوي في واشنطن وليس إلى الأمم المتحدة في نيويورك. ومن غير المحتمل أن تتكرر الظروف التي ساهمت في نجاح هذه العملية في المستقبل.

من الناحية التحليلية نجد أن الحالتين المشار إليهما أعلاه هما عبارة عن نسخ إرغام وليس ردعاً في استخدام القوة، مع أنه يتعذر معرفة عدد المتمردين الذين تردعهم مثل تلك التدابير الصارمة. ثم إن الخطر الذي ينطوي عليه تنفيذ الأمن الجماعي واضح أيضاً، أن يأخذ الأمن الجماعي، في حال وجود نظام يفتقر إلى التماسك والوحدة الثقافية، مظهر وخصائص تلك الدول الأكثر التزاماً بتطبيقه في حالة معينة. ولعل الافتراض بأن لجميع الدول أهدافاً واحدة وأنها مستعدة لشن الحرب لتحقيقها غير مضمون. ومن جهة أخرى، إذا كان هذا الافتراض غير وارد فعندئذ قد يصبح الأمن الجماعي محدداً بشكل محتوم وفق أفضليات سياسة الفاعلين الطليعيين وليس وفق أعضاء الأمم المتحدة ككل. وبذلك فقد يصبح أداة للمحافظة على الوضع الراهن. وفي فترة ما بعد الحرب الباردة أخذ المحللون يتحدثون عن "الأمن التعاوني" بدلاً من الأمن الجماعي. وهذا أيضاً يقوم على أساس أن السلام لا يمكن تجزئته. فهو ينطوي على ظلال من المعاني تفوق ما يقترن بالأمن الجماعي بمعنى أنه لا يعتمد على تقنيات عفوية لتوازن القوى، التي لا يحتمل أن تحدث إلا حين يتعلق الأمر بالمصالح الحيوية. فالأمن التعاوني يتوخى عملاً جماعياً عبر مؤسسات إقليمية. وقد قامت توسعة الناتو استناداً إلى تلك الفكرة.

 

الاستعمار                                                        Colonialism

هو نوع من الامبريالية ينطوي على استيطان الأراضي الأجنبية والاحتفاظ بحكم سكان خاضعين وفصل الجماعة الحاكمة عن السكان المحكومين. وتكون العلاقة بين "البلد الأم" والمستعمرة عادة علاقة استغلال. وقد تضمنت أقدم المستعمرات (مثل مستوطنات اليونان القديمة في البحر الأبيض المتوسط أو المستوطنات البريطانية في أمريكا الشمالية) الهجرة إلى ما كان يعتبر أماكن فارغة سياسياً ولم تكن تعتبر عرقية بشكل صريح، لكن النوع الأحدث يستدعي عادة هذا النعت. فالسمات المميزة للاستعمار تتضمن السيطرة السياسية والقانونية من قبل أقلية غريبة والاستغلال الاقتصادي والتبعية وعدم المساواة العرقية والثقافية. وخلافاً للامبريالية التي يمكن أن تنطوي على الامتصاص التام، ينطوي الاستعمار على فصل صارم نوعاً ما عن مركز العاصمة لأن المستعمرات توجد لخدمة احتياجات السلطة المستعمِرة وبهذا المعنى فإنها تقوم بدور التابع والرقيق. وقد اقترنت هذه الظاهرة تاريخياً بأوروبا وكانت القوى الاستعمارية الرئيسية من القرن الخامس عشر حتى التاسع عشر تتمثل بالبرتغال واسبانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا. وقد انضم إليها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بلجيكا والمانيا والولايات المتحدة واليابان وروسيا. وقد تمثلت الأهداف الرافضة لهذه الاندفاعات التوغلية المتنافسة بالأمريكتين وافريقيا وآسيا واسترالازيا.

لقد كان الاستعمار ومناهضة الاستعمار قوتين رئيسيتين في تحديد الطابع السياسي والاقتصادي للعالم الحديث. وكانت هذه الممارسة حتى القرن التاسع عشر شائعة في الشؤون الدولية لدرجة أنها لم تولد مقاومة تُذْكَر. وكانت تعتبر أنها نتيجة لسياسة القوى العظمى. ومع ظهور الليبرالية والقومية ولا سيما النقد الماركسي/ اللينيني للأعراف والمفاهيم والممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المقترنة به فقد أصبح يعتبر غير مشروع بشكل متزايد. بل إن نجاح الحركة المناهضة للاستعمار نفسه كان يعتمد مباشرة على مبادئ وايديولوجيات استحدثتها القوى الاستعمارية ذاتها.

 وقد أدّى تضمين أفكار تقرير المصير والسيادة والاستقلال والمساواة الرسمية في المؤسسات الرئيسية للمجتمع الدولي إلى الإطاحة بالمثل الأعلى الاستعماري. وفي عصبة الأمم كانت الأراضي المدارة ونظام الانتداب يعكسان الاضطراب العام بشأن الممارسة مع أنها لم تحظرها كلياً. أما الأمم المتحدة فقد كانت دائماً في طليعة حركة مناهضة الاستعمار وكانت الجمعية العامة بشكل خاص الفاعل الأهم الوحيد في تحقيق ما يقرب من الرفض العالمي للاستعمار. ويدور النقاش حول ما إذا كان لعملية الاستعمار آثار نافعة على المناطق المستهدفة لكن الخِزي المقترن به الآن لا يجد مؤيدين معاصرين لذلك. وشيء هام خلفه الاستعمار، ولا سيما في افريقيا، هو قضية الحدود التي يدور الجدل حولها والتي كثيراً ما تقض مضاجع السياسة الافريقية. فالحدود التي وضعتها القوى الاستعمارية نادراً ما كانت تعكس الأنماط العرقية والقبلية والثقافية لأهل البلاد الأصليين.

من الواضح أن المفهوم غير دقيق لكنه في الأساس ينطوي على عدم المساواة في الحقوق والفصل والاستغلال المتعمَّد. وتتردد أصداء ذلك في مصطلح "الاستعمار الجديد" الذي يشير إلى استمرار سيطرة العالم المتطور على الدول المستقلة بعد الاستعمار. وترى كثير من الدول النامية أن الاعتماد على رأسمال الاستثمار الأجنبي والمهارات التقنية والتدريب والسلع الاستهلاكية والأسواق الأجنبية على أنها نتاجات استعمارية جانبية مدبرة. فالمساعدة ليست بأي معنى ذات دوافع إنسانية أو غيرية. فهي إما تسديد طال عليه الأمد للاستغلال السابق أو أنها محاولة مخبأة جزئياً من جانب الجهة المانحة للحصول على تنازلات سياسية. وفي أي الحالتين تظل التنمية غير المتوازنة قائمة. وثمة مصطلح مماثل هو "الاستعمار الداخلي" وهذا يشير إلى حالات يعامل فيها جزء مسيطر اقتصادياً من دولة ما منطقة محيطية بوصفها كياناً خاضعاً وتابعاًَ. وعلى سبيل المثال تعد الشعوب الآسيوية للاتحاد السوفياتي سابقاً ضحايا لهذه الممارسة. كما أن دولة جنوب افريقيا في عهد الفصل العنصري (apartheid) (1948 – 94) أظهرت الكثير من السمات المقترنة بالمفهوم وكثيراً ما كان يشار إلى نظامها السياسي الاجتماعي على أنه "استعمار من نوع خاص".

كوميكون                                                 Comecon/ CMEA

(مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة) تم تأسيسه من قبل الاتحاد السوفياتي عام 1949 لدمج اقتصادات أوروبا الشرقية. وقد مثلت هذه المنظمة الاقليمية، إلى جانب حلف وارسو، البنية التحتية للكتلة السوفياتية من حيث القضايا العسكرية/ الأمنية والثروة/ الرفاه. وكان الأعضاء المؤسسون لهذا المجلس: بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبولونيا ورومانيا والاتحاد السوفياتي. وكانت البانيا عضواً من 1949 لغاية 1961، وانضمت جمهورية المانيا الديمقراطية في 1950. ويشمل الأعضاء غير الأوروبيين مونغوليا (1962) وكوبا (1972) وفيتنام (1978).

 وكما تدل قائمة الأعضاء كان كوميكون يعمل كأداة للإدارة الاقتصادية السوفياتية أولاً في أوروبا الشرقية ثم لاحقاً في العالم الثالث.  ومع أنه كان لكوميكون – مثل أي منظمة حكومية دولية – بنية مؤسسية دائمة يرأسها مجلس ولها سكرتارية، فإنه كان في الواقع يعمل كهيئة تخطيط للاتحاد السوفياتي تتخطى الحدود القومية، حيث كانت الأهداف الاقتصادية توجه سياسياً من موسكو وكانت تنطوي على تخصص في إنتاج الدول الأعضاء. وقد جعل تنامي المركزية المتعددة بعض الدول، ولا سيما رومانيا وبلغاريا، تشكك بالأدوار المسندة إليها بموجب التخطيط المركزي.

 وأدت الأحداث التي تلت عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين في أوروبا الشرقية، ولا سيما زوال الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفياتي إلى إنهاء نظام كوميكون. فقد أصبح اقتصاد المانيا الشرقية مدمجاً كلياً في الاتحاد الأوروبي عبر وحدتها مع المانيا الغربية. وسعى أعضاء آخرون في كوميكون السابق إلى ابرام والمصادقة على اتفاقات تعاون خاصة مع الاتحاد الأوروبي تعرف باسم "اتفاقيات أوروبا". وهذه توسع بشكل أساسي الفكرة الأصلية لاتفاقية التعاون (التي ضمنت التجارة الحرة) بحيث تنضمن الحريات السياسية والفردية. ومن المحتمل أن الهدف طويل الأجل للعديد من هذه الدول الأعضاء في كوميكون سابقاً سيكون العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. وقد تم حل كوميكون رسمياً في 1991.

التراث المشترك للبشرية

 

 

Common Heritage of Mankind (CHM)

مفهوم شبه قانوني اقترن بالجنوب، لا سيما بأقل البلدان نمواً، ويؤكد على أن الموارد غير المشمولة بعد بنظام قانوني، تخص البشرية ككل لا إلى دول معنية، أو مجموعة من الدول. ويعد مبدأ التراث المشترك جزءاً من مطالبة عامة بعدالة التوزيع. وقد طُبِّق على عدد من مجالات القضايا المعاصرة بين الشمال والجنوب، ولا سيما المتعلقة بمعاهدة انتاركتيكا ومعاهدة القمر ومعاهدة الفضاء الخارجي ومعاهدة قاع البحر. وفيما يتصل بمؤتمر اونكلوس الثالث (Unclos III)، كانت هذه الفكرة تروق بشكل خاص للدول غير الساحلية أو المحاطة بالأرض التي حرمت، بموجب القانون الدولي التقليدي، من الحقوق القانونية بشأن موارد البحر الطبيعية. فقد كانت القاعدة القديمة المتصلة بالتوزيع الدولي للموارد الواقعة خارج نطاق الولاية الساحلية تنويعاً للمثل القائل: "المكتشفون هم الحافظون والفاقدون هم الباكون" (Finders keepers, losers weepers). ومن الواضح أن هذا لمصلحة الدول البحرية العظمى وتلك التي تملك القدرة التكنولوجية لاستغلال الموارد غير الحية في المياه اللاإقليمية.

في مؤتمر اونكلوس الثالث تم الإعراب بشكل جيد من قبل مندوب سنغافورة عن وجهة النظر هذه والتي كانت تمثل آراء الدول المحرومة جغرافياً:

يجب أن يكون لكل دولة، سواء أكانت ساحلية أم محاطة باليابسة، الحق في حصة منصفة من موارد البحر وفق مبدأ التراث المشترك للبشرية. وإذا كان لهذا المبدأ أي معنى فإنه يتعين حجز أكبر منطقة ممكنة من الهامش القاري وقاع البحر للنظام الدولي.

لم يتحقق بعد لمبدأ التراث المشترك للبشرية، فيما يتصل بقاع البحر العميق، وضع القانون العرفي (customary law) ولا يزال موضع خلاف بين الشمال والجنوب في السياسة العالمية.

غير أن معظم المعلقين يعتقدون بأن التراث المشترك للبشرية يمثل تقدماً إيجابياً في إشاعة الديمقراطية في القانون الدولي وعولمة الموارد والتقدم العام لاعتبارات عدالة التوزيع في الشؤون الدولية.

السوق المشتركة                                    Common market

هي شكل من الاندماج (التكامل) بين الدول. ومفتاح السوق هو الاتحاد الجمركي. وهي أيضاً حجر البناء حيث إن نظرية السوق المشتركة هي أنه بعد أن يتم العمل بالاتحاد الجمركي بشكل ناجح فإنه ستوجد احتياجات لمزيد من الاندماج (التكامل). ويعد توفر حرية حركة عاملين من عوامل الإنتاج، بشكل خاص، وهما اليد العاملة ورأس المال، شرطاً أساسياً مسبقاً لقيام السوق المشتركة بالتوسع الديناميكي على هذا الأساس، ويتم نتيجة ذلك قيام سوق مشتركة للسلع والخدمات. وتستدعي السوق قواعد تحكم المنافسة ضمن السوق كما يتم تدريجياً وضع نظام ضريبي مشترك. ويعد تحقيق الانسجام في ضرائب المبيعات، بشكل خاص، شيئاً أساسياً في سوق مشتركة. ولتسهيل حرية حركة اليد العاملة لا بد من تحقيق الانسجام في سياسات الرفاه الاجتماعي.

ضمن السلسلة المتصلة للاندماج (التكامل) الاقتصادي تعد السوق المشتركة الوضع المتوسط بين الاتحاد الجمركي والاتحاد الاقتصادي التام. وتعد التداعيات التجارية للسوق المشتركة مماثلة كلياً لتداعيات الاتحاد الجمركي. لذا فقد مالت مؤسسات الإشراف مثل الغات إلى التركيز على الاتحاد الجمركي، في حين أن الأسواق المشتركة هي مجال اهتمام أكثر لدى مُنظِّري الاندماج (التكامل)، لا سيما مقاربة أصحاب النظرية الوظيفية. لقد كانت الأسواق المشتركة، تاريخياً، سمة من سمات بناء الدولة. ففي أوروبا القرن التاسع عشر جاءت السوق المشتركة في المانيا بعد إقامة الاتحاد الجمركي (zollverein). كما يشكل التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة مثالاً جيداً للمكاسب الإيجابية الناجمة عن إقامة سوق مشتركة. وفي كلتا الحالتين السابقتين استخدمت التعريفات الحمائية لوقاية السوق الوليدة.

كان أحد أهداف الجماعة الأوروبية المصرح بها في معاهدة روما هو إقامة سوق مشتركة. وكثيراً ما كان يطلق على الجماعة الأوروبية لفظ السوق المشتركة في اللغة العامية. وقد تم تنقيح المصطلح خلال تطورات الثمانينيات التي توجها القانون الأوروبي الأحادي لعام 1986 ومعاهدة ماستريخت لعام 1992. فقد أصبح الاستعمال الرائج المقبول بشكل عام هو السوق الأحادية بدلاً من السوق المشتركة.

الكومنولث                                                 Commonwealth

هو تجمع طوعي لـ 53 دولة كان معظمها أجزاء سابقة من الامبراطورية البريطانية. ويعود أصل هذه الكلمة إلى القرن الخامس عشر كتعبير يقابل العبارة اللاتينية (res publica) التي تعني الصالح العام أو "الرخاء العام". فبهذا المعنى استخدمت هذه الكلمة لوصف أنواع عدة من الأنظمة السياسية. مثلاً الوحدات المكونة للاتحاد السوفياتي، أصبحت تشير إلى نفسها بعد 1992 بوصفها كومنولث الدول المستقلة. على أن المصطلح يقترن بوجه عام في السياسة العالمية بالتاريخ الامبراطوري البريطاني وأطلق في القرن التاسع عشر على وجه التحديد على تلك الأقاليم (الدومينوز) التي مع أنها رسمياً جزء من الامبراطورية إلا أنها كانت تتمتع بحكم ذاتي داخلي تام ودرجات كبيرة من الحرية في السياسة الخارجية. فبهذا المعنى كان المصطلح يعني علاقة أقل متانة وأقل تبعية من تلك التي تنطوي عليها كلمة "مستعمرة" أو "امبراطورية".

الكومنولث هو مجموعة طوعية غير مهيكلة ليست لها التزامات رسمية أو ميثاق مع أن لها سكرتارية. وتعد الملكة البريطانية اسمياً رئيسة الكومنولث مع أن هذا ليست له مضامين دستورية ملزمة للأعضاء. ومعظم الأعضاء (الهند، مثلاً) هي جمهوريات ولم تعد تقبل المبدأ الملكي. وفي الحالة التي تكون فيها المَلَكية مقبولة (كما في كندا) يكون الملك هو رئيس الدولة رسمياً ويمثله حاكم عام يكون تعيينه من شؤون الدولة المضيّفة فقط. وهذا المنصب هو آخر ما تبقى من السلطة الامبراطورية البريطانية. وترجع أصول الكومنولث إلى عام 1867 حين منحت كندا وضع الدومينون وتلتها استراليا في 1900 ونيوزيلندا في 1907. ثم خفت السلطة الامبراطورية البريطانية في المؤتمر الامبراطوري لعام 1926 حين تم اعتبار المملكة المتحدة والدومينيونات كيانات مستقلة. وفي 1931 عزز قاون وستمنستر مبدأ الاستقلال واستبدل مصطلح "الامبراطورية البريطانية" بالاستعمال الرسمي لعبارة "كومنولث الأمم البريطاني". وبحلول 1948 أسقطت كلمتا "البريطاني" و"دومينيون" وبرز مصطلح الكومنولث الحديث الذي يؤكد على الطوعية والمساواة. وأصبح الاسم الرسمي لوزارة الخارجية البريطانية الآن وزارة الخارجية والكومنولث.

لا يزال الكومنولث يتطور كما أن عضويته ليست ثابتة. ففي 1949 انسحبت جمهورية ايرلندا وتلتها جنوب افريقيا (1961 – 94) وباكستان (1972 – 89). وقد سقطت عضوية فيجي عام 1987 وعلقت عضوية نيجيريا في 1985. وظلت بورما (ميانمار) المستعمرة البريطانية السابقة الوحيدة التي لم تنضم بعد الاستقلال. ومن غير المحتمل أن تنضم بعد إعادة ضمّها إلى الصين عام 1997. والمنطقة الوحيدة غير الممثلة في الكومنولث في الوقت الراهن هي الشرق الأوسط. فهو إذاً بحكم المنظمة العالمية وقد تجعل معايير جديدة للقبول ذلك حقيقة واقعة عما قريب. ومن المستعمرات التي قبلت مؤخراً: ناميبيا (1990) والكاميرون (1995) وموزامبيق (1995). وقد أعربت أيضاً انغولا واليمن واريتريا وراوندا والسلطة الفلسطينية عن رغبتها في الانضمام. وفي الوقت الراهن نجد أن أكثر من خمسة وعشرين بالمائة من دول العالم هم أعضاء ويبلغ مجموع عدد سكانها 1.56 مليار، ما يجعله ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة.

 والدول الآتية هي الآن أعضاء في الكومنولث (تواريخ الاستقلال بين أقواس):

افريقيا: بوتسوانا (1966)، الكاميرون (1995)، غامبيا (1965)، غانا (1957)، كينيا (1963)، ليسوتو (1966)، مالاوي (1964)، موريشيوس (1968)، موزامبيق (1995)، ناميبيا (1990)، سيشيل (1976)، سيراليون (1961)، جنوب افريقيا (1910)، سوازيلند (1968)، تانزانيا (1961)، اوغندا (1962)، زامبيا (1964)، زيمبابوي (1980).

آسيا: بنغلاديش (1972)، بروناي (1984)، الهند (1947)، ماليزيا (1957)، المالديف (1965)، باكستان (1947)، سنغافورة (1965)، سري لانكا (1948).

البحر الكاريبي والأمريكتان: انتيغوا (1981)، الباهاما (1973)، باربادوس (1966)، بيليزيه (1981)، كندا (1867)، الدومينيك) (1978)، غراناده (1974)، غويانا (1966)، جامايكا (1962)، سانت كريستوفر ونيفيس (1963)، سانت لوسيا (1979)، سانت فنسنت (1979)، ترينيداد (1962).

أوروبا: المملكة المتحدة، قبرص (1961)، مالطا (1964).

استرالازيا/ اوسيانيا: استراليا (1900)، كيريباتي (1979)، ناورو (1968)، نيوزيلندا (1907)، بابوا نيوغيني (1975)، سولومونز (1978)، تونغا (1970)، توفالو (1978)، فاناتو (198) ساموا الغربية (1962).

تحتاج العضوية إلى الموافقة الجماعية لجميع الدول المشاركة ومع أنه لا توجد هيئة رسمية لسن القوانين، فإن اجتماعات لرؤساء الحكومات تنعقد مرتين في السنة وتتخذ القرارات بتوافق الآراء. وبالنظر لغياب أي روابط إجمالية مشتركة، اثنية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، فإنه من غير العجيب أن يكون من الصعب التوصل إلى توافق في الآراء، إلا بالنسبة للقضايا العامة. ومن القضايا التي هددت وحدة الكومنولث في السنوات قريبة العهد قضية الفصل العنصري في جنوب افريقيا وعضوية بريطانيا في الجماعة الأوروبية في ذلك الوقت والانقسام بين الشمال والجنوب. ومع أنه ليس لوجوده سبب منطقي محدد، سياسي أو اقتصادي، وليست له قوة قسرية، فإن مؤيديه يجادلون بأنه يخدم بوصفه واحداً من الساحات العالمية القليلة التي يمكن الإفصاح فيها عن القيم العامة (مثل تعزيز حقوق الإنسان والحكم الصالح) وكذلك قناة للاتصالات بين قطاعات متباينة  ومتصارعة في كثير من الأحيان من المجتمع الدولي. وهو بالتأكيد ليس كتلة قوة بالمعنى المعتاد، وبالنظر لهيكله المؤسسي الذي يقع ضمن الحدود الدنيا وبالنظر لموارده المتواضعة فإنه لن يتمكن من القيام بدور رئيسي في الشؤون العالمية. ورغم ذلك، فهو تجمع دولي أكثر اتساقاً من نظيره الذي يسيطر عليه الفرنسيون، وهو الفرانكوفونية (Francophonie).

كومنولث الدول المستقلة

 

 

Commonwealth of Independent States

 

هو منظمة دولية مكونة من اثنتي عشرة جمهورية سابقة للاتحاد السوفياتي. وقد تأسس عام 1991 وكثيراً ما يشار إليه بوصفه "الخارج القريب" من روسيا ويتكون من ارمينيا واذربيجان وروسيا البيضاء وجورجيا وكزاخستان وقيرغيزستان ومولدوفا وروسيا وطاجيكستان وتركمانستان وأوكرانيا وأوزباكستان. وقد اشترط الاتفاق قيادة موحدة للقوات العسكرية للاتحاد السوفياتي سابقاً، والتزاماً بتطوير سوق مشتركة أوراسية والاعتراف بالحدود وإقرار الحقوق الثقافية والسياسية لجميع المواطنين.

 ويقع المقر الرئيسي في منسك عاصمة روسيا البيضاء. وقد لازمت سلسلة من الأزمات المنظمة منذ تأسيسها وأخطرها ما يلي: الحرب بين ارمينيا واذربيجان حول أراضي ناغورنو – كاراباخ المتنازع عليها، مسؤولية تسديد التزامات الدين السوفياتي، والنزاع الروسي – الأوكراني حول أسطول البحر الأسود ومطالبة روسيا بالقرم. والشيء الوحيد تقريباً الذي تشترك فيه الدول الاثنتا عشرة هو تجربتها المشتركة (الملتبسة) في كونها أعضاء في الاتحاد السوفياتي سابقاً. وقد تشكل التوسعة الوشيكة للناتو مشاكل خطيرة لهذه المنظمة الهشة، لا سيما إذا سعت أوكرانيا إلى الانضمام إليه, لأن روسيا تعتبر أن كومنولث الدول المستقلة يقع بشكل ثابت ضمن نطاق نفوذها. ومن الواضح أن هذا الكومنولث قد فشل كاتحاد عسكري وكاتحاد اقتصادي وكاتحاد نقدي ومن المشكوك فيه جداً أن يتمكن من البقاء بوصفه منظمة حكومية دولية. على أن استمرار وجوده يعطي دعماً إضافياً لصدقية الفكرة القائلة إن روسيا قوة عظمى من منطلق إقليمي وعالمي.

 

الصراع الطائفي                                            Communal conflict

إن الصراع بين الجماعات والدول والدول والأمم والجماعات الاثنية شائع في العلاقات الدولية. على أنه إذا أصبح صراع طائفي مزمناً ومتواصلاً فإن ديناميته قد تؤدي إلى حرب أهلية وحتى إلى تدخل خارجي. وتوحي البراهين التجريبية (empirical) على ما يبدو بأن بعض التغييرات تجري ضمن عملية الصراع وتؤدي إلى هذه التطورات. ويتغير الصراع من كونه حول المصالح إلى كونه حول القيم. أي أنه بدلاً من اختلاف الأطراف حول ما يريدونه فإنهم يختلفون حول القيم التي يمثلونها. وبنتيجة ذلك تبرز إلى المقدمة قضايا ايديولوجية أكثر تحديداً. ويتم طرح هذه القضايا في سياق متحيز من طرف واحد ونتيجة ذلك يصبح الصراع أكثر عنفاً ومعاداة. وعندما تبدأ دورة العنف والعنف المضاد يوشك الصراع أن يصبح مزمناً ومتواصلاً. ويصبح للأعمال الفردية البطولية أو الإرهابية طابع الأسطورة في التاريخ الشعبي للصراع وتكون عملية الاستقطاب قد أطلت وتصبح الخطوط الطبيعية الواضحة للحدود جلية بين الطوائف. وكثيراً ما تحدث حركة طبيعية للشعوب حين تحاول الطوائف المنفصلة رسم الحدود بين بعضها وبعض. ويظهر أسلوب جديد من الزعامة ليرمز إلى التمحور الذي يصبح واضحاً للجميع. ثم إنه يصبح للزعامة الجديدة مصلحة في استمرار الصراع. وتنقطع الاتصالات بين الطوائف التي تكون قد أصبحت منفصلة و، إذا استمر الصراع عبر أجيال عدة، يصبح شكل من أشكال التخيل المتواصل للعداء واضحاً. وتتعزز نمطيات الطرف الآخر خلف موانع الاتصالات ويصبح الأفراد غارقين في ثقافة مجتمعهم التي تنطوي على المعاداة والشك.

لقد بدأت بعض أكثر الصراعات استعصاء وعنفاً في العالم المعاصر كصراعات طائفية في السياسة العالمية المعاصرة ثم تصاعدت أفقياً مع جذب أطراف خارجية ليصبحوا حلفاء أو حامين. ويعد الصراع العربي – الإسرائيلي مثالاً نموذجياً لهذه العملية، وكذلك الصراع المستمر في يوغسلافيا.

انظر  Ethnic cleansing (التطهير العرقي).

الشيوعية                                                                 Communism

هي ايديولوجية سياسية ترمي إلى تحقيق الملكية الجماعية الدولية. ولرأس المال وإلغاء القوة القسرية للدولة. وحسب الداعي الرئيسي لها، كارل ماركس (Karl Marx)، لا بد من تمييزها عن الاشتراكية، التي تمتاز بمرحلة انتقالية بين الرأسمالية والشيوعية الكاملة عندما تذوب الدولة وتتلاشى. من منطلق هذا التخصيص تعتبر الدول الشيوعية دولاً اشتراكية, لأن جهاز الدولة لا يزال قائماً فيها. وفي العلاقات الدولية تتمثل أهمية الايديولوجية من منظور نظري بالمكان البارز الذي تسنده إلى الامبريالية بوصفها السبب الأساسي للصراع الدولي المتواصل. بل إن المعادلة المتمثلة بـ  الرأسمالية = الامبريالية = الحرب  يمكن اعتبارها تشكل النظرية الشيوعية للعلاقات الدولية.

من الناحية العملية كانت الشيوعية الدولية قوة رئيسية في السياسة العالمية منذ الثورة البلشفية في الاتحاد السوفياتي عام 1917، على أنه منذ نشر "البيان الشيوعي (the Communist Manifesto) في 1848 من قبل ماركس وانغلز (Engels) كان لمثله العليا أثر عميق على الشؤون الدولية. فقد كان الهدف الرئيسي إيجاد حركة عمالية دولية موحدة (الدولية البروليتارية) بغية التغلب على السوق العالمية الرأسمالية وهزيمتها. ولقد كانت الثورة دائماً مكاناً مركزياً لنظرية الشيوعية. وكانت إقامة "المؤتمرات الدولية" في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين محاولة لتحقيقها العملي. كان المؤتمر الدولي الأول هو الرابطة الدولية للرجال العاملين وقد استمر من 1864 – 76، والثاني (أو الاشتراكي) الدولي، أو الكوميترن (Comitern)، استمر من 1919 حتى 1943. وكان الهدف من هذه المؤتمرات "الدولية" إيجاد شبكة عالمية للأحزاب الشيوعية يجمعها ويوحدها المثل الأعلى وهو الإطاحة بالنظام الدولي الرأسمالي القائم. بعد 1919، في عهد لينين ومن بعده ستالين، سيطرت موسكو على الحركة واعتُبِرت توسعة عالمية للسياسة الداخلية والخارجية السوفياتية. وقد أحدثت الحرب العالمية الثانية وما تلاها من آثار كارثية تغييرات هامة في المنطلقات، فقد بدأ التركيز، بصورة خاصة، يبتعد عن أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية وآسيا وافريقيا. وبحلول 1948 كانت تلك البلدان الواقعة ضمن منطقة النفوذ السوفياتي – بولونيا وهنغاريا ورومانيا  وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والمانيا الشرقية ويوغسلافيا والبانيا – قد أصبحت جميعها شيوعية بشكل رسمي. وبحلول 1949 جذبت الصين وكوريا الشمالية آسيا إلى الفلك الشيوعي. وقد بذلت جهود متزايدة خلال فترة ما بعد الحرب ووجهت لإيجاد أنظمة شيوعية أو موالية للشيوعية في أماكن أخرى من العالم المتخلف، ولا سيما في افريقيا وامريكا اللاتينية. وقد انهارت الآمال بأن تتطور الشيوعية الدولية إلى نظام عالمي بديل موحد ومنسجم جراء المركزية المتعددة (الممثلة بارتداد البانيا ويوغسلافيا في أوروبا والانقسام الصيني – السوفياتي في آسيا)، وباستمرار القومية الراديكالية في افريقيا وامريكا اللاتينية. وفي خمسينيات القرن العشرين حدث تحول في الاستراتيجية السوفياتية. فقد أعلن خروشوف على الملأ أن الحرب بين الدول الرأسمالية والشيوعية ليست محتملة وأنه قد توجد "طرق مختلفة لبلوغ الاشتراكية". وظلت موسكو تحتفظ بمركز السيطرة، لكن فكرة اتحاد الدول الشيوعية بقيادة موسكو استبدلت بمفهوم نظام اشتراكي عالمي يمكن أن يكون، بل كان، تعددياً. ومنذ ذلك الوقت، لا سيما في عهد غورباتشوف، تطورت الكتلة الشيوعية لتصبح تجمعاً أقل تماسكاً كان الهدف فيه التعايش لا السيطرة أو الإطاحة بنظام الدول العالمي القائم. في عالم بعد الحرب كانت المنظمات الدولية الرئيسية الوحيدة المقترنة بالشيوعية الدولية هي منظمة معاهدة وارسو وكوميكون (مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل)، الذي تم تأسيسه عام 1949 لتحقيق التكامل (الدمج) بين اقتصادات أوروبا الشرقية بتوجيه سوفياتي وتحت سيطرته. وقد تم إنشاء هاتين المنظمتين كرد مباشر على المبادرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية في أوروبا الغربية (الناتو ومشروع مارشال).

في المنظور الشيوعي للعلاقات الدولية تعد الطبقة وعلاقات الإنتاج الوحدات الأساسية للتحليل. لذا فإنه لا مكان لمفهوم الدولة ونظام الدولة. غير أن الشيوعية الدولية أظهرت درجة عالية من المرونة في هذا الصدد وأظهرت الدول الشيوعية، بعد التعديلية (revisionism) النظرية للمبادئ الأصلية، أظهرت استعداداً للعمل ضمن وليس ضد، المؤسسات التقليدية لعالم ما بعد وستفاليا.

خلال الفترة 1989-91 لم يعد للشيوعية وجود كقوة سياسية في العلاقات الدولية نتيجة التحول في التفكير السياسي الذي جاء به مبدأ غورباتشوف. وقد ولد ذلك ضغوطاً أدت إلى انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والنظام الفرعي الذي أوجده (عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين). وقد أصبحت الشيوعية الآن قوة مُستهلَكة وحتى في الصين فإن الأحداث التي تلت مذبحة ساحة تياننمين (1989) تدل على أن الحرية الجديدة التي أطلقتها أفكار الانفتاح (glasnot) وإعادة الهيكلة (perestroika) يصعب احتواؤها ضمن القالب النظري التقليدي. ويوجد الآن ما يقرب من القبول الشامل بأن الازدهار الاقتصادي والحرية الاقتصادية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.

انظر Good governance (الحكم الصالح)؛

    Marxism/ Leninism (الماركسية/ اللينينية).

الإجبار                                                            Compellence

مجال فرعي لنظرية الردع استحدثه شيللينغ (Schelling) (1966) استناداً إلى أزمة الصواريخ الكوبية لعام 1962. يجادل شيللينغ بأن "ردعاً" فاعلاً عن نمط سلوكي قد يرغب في اتباعه يختلف إلى درجة كافية عن "إجباره" على القيام بفعل شيء ما مختلف (بما في ذلك إعادة ما فعله إلى وضعه السابق) بحيث يبرر التمييز التحليلي بينهما. ففي حالة كوبا، يجادل شيللينغ بأن تعامل إدارة كينيدي مع الأزمة مكّنت قيادة الولايات المتحدة من التلاعب بأخطار التصعيد إلى الحرب النووية بغية "إجبار" الزعماء السوفيات على الموافقة على سحب الصواريخ البالستية المتسببة في الأزمة من الجزيرة. ومن المفارقة أن هذا التلاعب في الأخطار يجعل اتباع الإجبار استراتيجية خطرة، حيث يعتمد منطقها الأنيق – وإن كان منطقاً معقداً نوعاً ما – على التمسك بآراء المنطق السليم لدى صانعي القرار التي قد تنهار حين يكون الوضع بأمس الحاجة إليها. ويوحي العمل الذي صدر مؤخراً عن ليبوو (Lebow) وشتاين (Stein) (1994) بأن نموذج الإجبار لا ينطبق إلا جزئياً على حساب القرار في كوبا. فكلتا الزعامتين على ما يبدو قد بالغت في تقدير نزوع الطرف الآخر للمغامرة وبهذا المعنى من الأفضل اعتبار كوبا حالة من الإجبار المتبادل. وتوجد بعض الدلائل التي توحي بأن إدارة بوش، في مقاربتها لحرب الخليج، سعت إلى "إجبار" العراق على الانسحاب من الكويت عبر حشد "درع الصحراء". وعلى أي حال، يظل الإجبار مخزناً بالغ الخطورة للسلوك في إدارة الأزمات.

حالات طوارئ معقدة                        Complex emergencies

وتسمى أحياناً حالات طوارئ "سياسية" أو "دائمة". وقد ظهرت في الحديث عن التدخل لأغراض إنسانية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين رداً على المجاعات المتطاولة الأمد في القرن الإفريقي والسودان. وتعني مقاربة جديدة للمجاعة والإغاثة الإنسانية. وبدلاً من النظر إلى حالات الطوارئ المذكورة من منطلقات اقتصادية أو طبيعية (أي أنها ناجمة عن فشل اقتصادي أو عن كوارث طبيعية) فإن هذه المقاربة تلقي الضوء على طابعها السياسي الكامن خلفها. فهي تجادل بأن المجاعة ظاهرة اجتماعية – سياسية معقدة لا يمكن معالجتها بمجرد توفير الإغاثة أو المساعدة. بل إن عمليات التدخل التقنية من هذا النوع تميل إلى مفاقمة المشكلة لأنها قد تعزز السياسات والبرامج التي ساهمت في الأزمة أو أوجدتها بالدرجة الأولى، الأمر الذي يفضي إلى حالة طوارئ "دائمة". من هذا المنطلق، يصبح التدخل بدوافع إنسانية جزءاً من مشكلة المجاعة وليس حلاً لها.

الترابط المعقد                            Complex interdependence

مصطلح أطلقه كيوهان (Keohane) وناي (Nye) في كتابهما الصادر عام 1977. فخلافاً لمفهوم الترابط، كان المقصود من الترابط المعقد أن يكون نوعاً نموذجياً. وقد سعى المؤلفان بشكل خاص إلى مقارنة هذا النموذج مع الواقعية وبيان الفرق بينهما بوصف الأخيرة نموذجاً منافساً للعلاقات الدولية. تم الطعن في ثلاث فرضيات مركزية في وقت واحد وهي: أن الدول ليست بالضرورة وحدات متجانسة كما أنها ليست دائماً عناصر فاعلة مسيطرة، وقد تكون القوة الآن أداة غير مجدية في السياسة وأصبحت الهرمية التقليدية للقضايا الخلافية حيث تكون للمسائل العسكرية/ الأمنية الأولوية على المسائل الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الآن إلى حد بعيد من المفارقات التاريخية. ويطلق "الترابط المعقد" على هذا الوصف الجديد للواقع. وهو يفترض، بوصفه نموذجاً تفسيرياً للعلاقات الدولية وجود قنوات متعددة للاتصال بين المجتمعات وعدم وجود بنية هرمية بين القضايا الخلافية وعدم فائدة القوة العسكرية، أو على الأقل، وجود دور صغير لاستخدام القوة. وهكذا فهو يؤدي إلى ظهور "عمليات سياسية متميزة تترجم مصادر القوات إلى قوة تتحكم بالنتائج" – من بينها استراتيجيات الربط والتحكم بالأجندات وبناء الائتلاف.

لقد كان عمل كيوهان وناي الرائد ذا أهمية حاسمة في تطوير منطلقات متعددة بديلة عن منطلقات القوة والأمن. فمن خلال تركيز الاهتمام على الترابط
 والعلاقات التي تتجاوز الحدود القومية، فقد قدما رؤية للسياسة العالمية تكون فيها العناصر الفاعلة والبيئات والهياكل والعمليات والنتائج غير مؤكدة إلى حد كبير وأكثر تعقيداً من النظرات الأحادية والساكنة التي طرحتها الواقعية التقليدية. على أن هذه المقاربة، كما أكد المؤلفان، لا تدَّعي الحصرية – فهي نموذج منافس
 ولا يستغني كلياً عن المعتقد التقليدي السابق.

معاهدة الحظر الشامل للتجارب

 

 

Comprehensive test - ban treaty (GTB)

تعود الجهود الرامية إلى حظر تجارب الأسلحة النووية، ولا سيما الأسلحة الهيدروجينية إلى أوائل خمسينيات القرن العشرين. وقد ساد الشعور لمدة سنوات عدة بأن حظر التجارب في جميع البيئات، وهو ما تنطوي عليه معاهدة الحظر الشامل للتجارب، متعذر من دون درجة كبيرة من المراقبة على الموقع. ويبدو أن الرأي العلمي يرفض هذه الضرورة الآن. لذا فالمشاكل المقترنة بتحقيق معاهدة الحظر الشامل للتجارب تبدو سياسية واستراتيجية وليس علمية وتقنية. وهذه يمكن ردّها إلى مقولتين: الأولى هي أن الاختبار الدوري للرؤوس النووية لازم للمحافظة على الثقة بفائدتها – وهذا ما يسمى بحجة "مدة الصلاحية" (shelf - life). الثانية لا بد من إجراء اختبار من نوع ما للرؤوس الحربية الجديدة كلما رغبت إحدى الدول النووية إدخال أنظمة إطلاق جديدة إلى ترساناتها.

لقد دعا إلى معاهد الحظر الشامل للتجارب الأفراد والمصالح ضمن الدول النووية الراهنة ممن يرغبون في رؤية نظام انتشار الأسلحة النووية يتعزز. وبصورة خاصة، من شأن تلك الأقسام من المعاهدة المعنية بعدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) التي تقتضي من الدول النووية الراهنة مواصلة الحد الهام للأسلحة بشأن الانتشار الرأسي، من شأنها أن تتعزز من خلال معاهدة الحظر الشامل للتجارب. وفي المدى البعيد من المحتمل أن تكون اتفاقية للحظر الشامل للتجارب مسألة سياسية وليس مسألة قياس الزلازل الأرضية.

الحل الوسط                                                   Compromise

شكل من أشكال تسوية الصراعات ينطوي على تنازلات متبادلة – وليست متوازنة بالضرورة – من الأطراف المنخرطين في مفاوضات. قبل التوصل إلى تسوية تنضمن حلولاً وسطاً يتوجب على الأطراف الاتفاق من حيث المبدأ على تسوية خلافاتهم بهذه الطريقة. وبعد التزامهم بذلك يمكنهم عندئذ مباشرة المساومة الجوهرية الرامية لتحقيق تعديل كاف لموقف الطرف الآخر لجعل التسوية ممكنة. ويكون لكل طرف إدراك للمدى الذي يكونون مستعدين لبلوغه في تقديم التنازلات. ويمكن تسمية ذلك النقطة القصوى لتقديم التنازلات.

إذا كان الصراع طويل الأمد فقد يغير الأطراف النقاط القصوى لتقديم التنازلات عند شعورهم بقوة موقفهم أو ضعفه. وأحياناً يرفض الأطراف حلاً وسطاً معيناً في بداية الصراع يكونون سعداء بقبوله لاحقاً عند رؤيتهم مدى فداحة الصراع. كما أن عملية المساومة قد تغير مدركات الأطراف للنقاط القصوى لتنازلاتهم. وكثيراً ما تكون الوساطة لازمة لتحقيق الحل الوسط. فقد يقترح الوسيط تسوية ضمن حدود نقاط تنازلات الطرفين. وقد يعرض القيام بمراقبة تنفيذ التسوية. وتكون الوساطة أكثر نجاحاً بين طرفين يسعيان إلى استراتيجيات "ذات بواعث مختلطة" أي بين طرفين مستعدّين لرؤية علاقاتهما مع بعضهما من منطلق التعاون. وإذا كان الطرفان يثقان بالمحافظة على التزامات بعضهما ازاء بعض فإن تسويات الحل الوسط يمكن أن تنتج تغذية رجعية (feedback) إيجابية وتؤدي إلى تحسن عام في العلاقات. وعندئذ يصبح الطرفان يتوقعان تسوية صراعات المستقبل بالحلول الوسط وليس بالمجابهة.

نظام الائتلاف (التفاهم)                               Concert system

نشأ عن المداولات التي جرت في مؤتمر فيينا عام 1815. ويشير إلى نظام المؤتمرات الخاص التي عقدتها القوى الرئيسية بغية تسوية الأزمات الدبلوماسية في أوروبا بين 1815 و1854. ومع أنه ليست لهذا النظام بنية مؤسسية رسمية فقد كان مقصده إدارياً صريحاً – التحكم، عبر التشاور المتبادل، في ميزان القوى في أوروبا ما بعد نابليون. وقد ظلّت تسوية فيينا ومفهوم دبلوماسية المؤتمرات التي دشنتها، أساس السلوك الدولي طيلة القرن التاسع عشر، مع أن نظام الائتلاف بهذا المعنى انتهى جراء حرب القرم. لقد كان، بهذا المعنى أول نظام أمين للعالم تم استنباطه خصيصاً لذلك الغرض. وكانت المحاولتان الثانية والثالثة لإحياء وإدارة النظام الدولي، في 1919 – 20 ومرة أخرى في 1945 – 6، مدينتين إلى حد بعيد للجهود الرائدة لمجموعة 1815. فقد اجتمع الائتلاف بصورة متقطعة خلال القرن التاسع عشر لغرض محدد وهو تسوية القضايا الخلافية التي كانت تهدد استقرار القوى العظمى الأوروبية. وكانت وحدة الهدف التي حققها لافتة للنظر وسمّاه بعض المعلّقين "ثورة في التاريخ الدبلوماسي". وقد ساهم عدد من العوامل في عمله "الناجح" (بمعنى عدم اندلاع حروب بين القوى العظمى خلال أربعين سنة):

1- وجد توزيع معقول للقوى في نهاية الحرب النابوليونية. وكان أعضاء نادي القوى العظمى هذا (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا، فرنسا، انضمت ايطاليا وتركيا لاحقاً) يعتبرون متساوين في القدرة العسكرية والأهمية الدبلوماسية.

2- وساد إدراك عام بأن سياسة ميزان القوى العفوية أفضت إلى مجابهة بين القوى العظمى. لذا فقد دعت الحاجة إلى تضافر الجهود لتفادي الخطر.

3- كان لتعاون القوى العظمى على هزيمة فرنسا أثر معد في الحفاظ على جبهة موحدة بعد انتهاء فترة الصراع. وقد عزّز التأكيد على وحدة القوى العظمى مفهوم القوى العظمى الأوروبية كمجموعة خاصة عليها مسؤوليات ولها امتيازات خاصة.

4- اقتصرت الاجتماعات على القوى العظمى ذاتها. وكانت دول أقل منزلة تستشار ولكن لم يكن ذلك قط على أساس من المساواة. (وقد عادت هذه الممارسة في إعطاء مركز خاص للقوى العظمى إلى الظهور في كل من عصبة الأمم والأمم المتحدة).

5- لم يُطعن في السيادة المطلقة للدول. وكان حكم الإجماع مفضلاً بحيث إذا تأثرت المصالح الوطنية الحيوية كان النظام يبقى ساكناً لا يتحرك.

6- لم يكن أداة للإصلاح. كان غرضه إدارة الوضع الراهن والمحافظة عليه.

7- لم يحاول استئصال الصراع، بل اقتصر على إدارته.

8- رغم الاختلافات الايديولوجية الكبيرة بين القوى العظمى – كانت القوى الشرقية الثلاث محافظة ومناهضة للثورة وكانت الدول الغربية أكثر ليبرالية – وكانت كلها تشترك في افتراضات حول الحاجة إلى المحافظة "على القانون العام لأوروبا" وعلى وضع مدونة سلوك دولي تنطوي على الشعور بالمسؤولية.

لهذه الأسباب كلّها، كان نظام الائتلاف ابتكاراً في العلاقات الدبلوماسية. وأصبح ميزان القوى الآن مدروساً وموجهاً ومراقباً وكان من المتفق عليه بصفة عامة أن للقوى العظمى الحق في فرض إرادتها الجماعية على نظام الدول الأوروبي وتتحمل مسوؤلية ذلك. غير أنه لم يكن بالنجاح المطلق ومن الأهمية بمكان في هذا الصدد التمييز بين "فترة المؤتمر" وبين نظام الائتلاف. فقد تميّزت فترة المؤتمر بمحاولة الدول المحافظة (ولا سيما التحالف المقدس بين بروسيا والنمسا) التدخل، بقوة السلاح إذا اقتضى الأمر، في الشؤون الداخلية للدول بغية الحيلولة دون عودة الراديكالية والقومية والليبرالية إلى الظهور. وقد أدى هذا الموقف التدخلي إلى منازعات مريرة بين القوى وانسحبت بريطانيا منه رسمياً عام 1820 على اثر المطالبات بالتدخل الفاعل للمؤتمر في اليونان واسبانيا. فلم يكن وزير الخارجية البريطاني جورج كانينغ (George Canning) ليرى المؤتمر (أو حتى نظام الائتلاف) بهذه الطريقة. فقد قال إنه ".... لم يكن يقصد منه أن يكون اتحاداً.... للإشراف الفوقي على الشؤون الداخلية للدول الأخرى. " وبوفاة القيصر في 1825 ظل نظام المؤتمر في الإدارة عبر التشاور باقياً. لقد نجح نظام الائتلاف, لأنه كان تجمعاً غير متماسك لدول تشترك في مقصد واحد عام، في حين أن نظام المؤتمر انهار لأنه كان أكثر تحديداً وايديولوجية في توجهه.

التوفيق                                                           Conciliation

شكل من أشكال تدخل طرف ثالث في حالات الصراع. ويكون هذا التدخل غير منحاز وحيادياً وينطوي على الوساطة. وهدفه الأساسي هو إعادة الاتصال بين الأطراف ومساعدتهم على التوصل إلى تفهم أفضل لموقف بعضهم ازاء بعض. وقد يقرر الأطراف، من حيث الواقع النظري، أن زيادة الوضوح هذه تؤكد عداوتها وشكوكها الأصلية وبالتالي فإنها تواصل معارضة مصالح وقيم بعضها. وإذا كان الصراع ينطوي على تاريخ طويل من عدم الثقة فقد تبدأ عملية التوفيق برفض الطرفين مناقشة تعريفهما للموقف بحضور الطرف الآخر. وقد تدعو الحاجة إلى مرحلة من "التنفيس عن الأفكار" المتصلة بالصراع قبل مجرد محاولة التوصل إلى حل.

 ويتعين على أي حل للصراع يظهر من هذه الإجراءات أن يدعم ذاته بذاته، أي أن يتوصل الطرفان إلى اعتبار أن حلاً لخلافاتهما متوفر أمامهما عبر عملية التوفيق دون الشعور بأن الحل قد فُرِض بأي طريقة من الطرق. ومن هذا المنطلق يعتبر التوفيق من أقل أنماط حل الصراعات اقتحامية.

 

الكونكوردات                                                       Concordat

مصطلح دبلوماسي يشير بصفة عامة إلى اتفاق بين الكنيسة والدولة وبشكل خاص إلى اتفاقات بين الدول والكرسي البابوي في الفاتيكان.

 

السيطرة السيادية على إقليم تابع من قبل                        

دولتين خارجيتين أو أكثر                                 Condominium

وهي بهذا المعنى تعد شكلاً من الامبريالية المشتركة حيث تكمن الولاية القضائية ضمن الإقليم في ترتيبات تتم بين دول خارجية. وهي تشبه المُلكية المشتركة في قانون البلديات وكانت موجودة في السودان (بين المملكة المتحدة  وفرنسا) وفي جزر نيوهيبريديز في المحيط الهادئ (أيضاً بين المملكة المتحدة  وفرنسا). وهي شكل نادر نسبياً من السيطرة السياسية والقانونية ويجب تمييزها عن الاحتلال العسكري. فالسيطرة المشتركة التي اضطلعت بها الدول المتحالفة على المانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية لا تسمى كوندومينيوم. وقد أطلق هذا المصطلح أيضاً سيناريوهات بديلة لمستقبل العالم حيث تترأس الدول العظمى المسيطرة بشكل مشترك وبالاتفاق النظام الدولي ذاته. غير أن هذا الاستعمال يتضمن من الخيال بمقدار الوضع الذي يفترض أنه يصفه.

الكونفيدرالية                                                Confederalism

هي مثل جميع نظريات الاندماج (التكامل) عملية وحالة نهائية على حد سواء. كثيراً ما يشار إليها كعملية بأنها وضع الحكومة الدولية، كما هو حال الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن حيث كان هيكل المؤتمر الحكومي الدولي عاملاً حاسماً في "إعادة إطلاق" العملية الاندماجية (التكاملية) في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وكحالة نهائية يعتبر الاتحاد الكونفيدرالي أكثر شكل اندفاعاً عن المركز من أشكال الاتحاد المتناسب مع استخدام المصطلح بشكل موثوق. تعترف الاتحادات الكونفيدرالية بمركزية الدولة كواقع من وقائع الحياة ولا تسعى لتجاوز "دولة الأمة" على طريقة الفيدرالية والوظيفية/ الوظيفية الجديدة.

لم تحظ الاتحادات الكونفيدرالية في الفترة الحديثة بدعم يذكر كهياكل مناسبة للدولة. ومن أمثلة ذلك فشل التجارب الكونفيدرالية في الولايات المتحدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتعد ميزة الأجزاء المكوِّنة للكل الكونفيدرالي، التي تعتبر ضعفاً متأصلاً في الاتحادات الكونفيدرالية، فضيلة إيجابية في سياق الاندماج (التكامل) بين الدول. تنقذ الكونفيدرالية – التي يمكن اعتبارها الايديولوجية في هذا الصدد – تنقذ الدولة من مذبح أضاحي الفيدرالية. ولكنها لا تستطيع إنقاذها من التأثيرات المتوغلة للترابط والعولمة. بل إن الكونفيدرالية لا تحاول مجرد محاولة. وبدلاً من ذلك فإنها تسعى لتلبية الاحتياجات التي توجدها تلك التأثيرات عبر التعاون والتعاضد. ومن الواضح من الناحية التجريبية (empirically) أن هذه الأنشطة تستطيع أن تعيد تحديد العلاقة بين الأجزاء المكونة والكل الفيدرالي بشكل جوهري إذا تجاوزت درجة معينة من التعقيد. وفي الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، تعد السوق الأحادية مثالاً على ذلك.

دبلوماسية المؤتمرات                          Conference diplomacy

لقد كان النمو غير العادي للدبلوماسية متعددة الأطراف، سمة مميزة للعلاقات الدولية في القرن العشرين، من جراء إنشاء منظمات دولية دائمة، ولا سيما على شكل مؤتمرات دولية واسعة النطاق. ومع أن الدبلوماسية لم تكن غير معروفة في الماضي (من أمثلتها معاهدات وستفاليا عام 1948 ومؤتمر فيينا 1815)، فإن  دبلوماسية المؤتمرات، سواء الدائمة أو الخاصة، أصبحت ممارسة مألوفة. بل إن الأمم المتحدة يمكن اعتبارها مؤتمراً دبلوماسياً دولياً دائماً، إضافة إلى تنويعات إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد النوردي. وثمة ظاهرة مقترنة بها يدعوها البعض "الدبلوماسية البرلمانية" (مصطلح اقترن برجل الدولة الأمريكي دين راسك (Dean Rusk)، وتشير إلى إيجاد تجمعات إقليمية أو تجمعات مصالح تتعلق - بمسائل لا تضر بالمصلحة الوطنية. هذه الجماعات التي تصوت على الأمور تشكل وفق معايير متنوعة التقارب السياسي أو الثقافي، مرحلة التنمية الاقتصادية، الموقع الجغرافي، تشابه العقلية الايديولوجية وروابط المعاهدات. ومن أبرزها الجماعة الافريقية ودول الخطوط الأمامية السابقة والاتحاد الأوروبي والدول العربية ومجموعة الـ 77 والمجموعة الاشتراكية والمجموعة الغربية. وجميعها تسعى لبناء أكثريات دائمة نوعاً ما ضمن المؤتمرات بحيث يتم اعتماد سياسات معينة أو يتم انتخاب أشخاص متعاطفين مع مصالح تلك الجماعات في اللجان التأسيسية والوكالات. (انسحبت الولايات المتحدة من اليونسكو لأسباب مفادها أن المنظمة قد "استولت عليها" جماعات معادية للمصالح الأمريكية). وقد اعتبرت دبلوماسية المؤتمرات من قبل المثاليين من وودرو ويلسون (Woodrow Wilson) فصاعداً جزءاً من الحل الإجمالي لمشكلة الفوضى الدولية، في حين أن بعض الواقعيين يرون أنها قد تجعلها تتفاقم.

الصراع                                                                  Conflict

وضع اجتماعي ينشأ حين يسعى طرفان أو أكثر لتحقيق أهداف متعاكسة أو غير متلائمة. ويمكن ملاحظة الصراع في العلاقات الدولية حيث يتجلى على شكل الحرب – كتيجة يتم التهديد بها وكواقع فعلي، على حد سواء – وكسلوك في المساومة يكاد يصل إلى مرحلة العنف. وتنبثق المواقف العدائية عن النُخَب والجماهير الواعية عبر استعدادت نفسية مثل العدوان والشك. على أن الصراع قد تكون له وظائف إيجابية. فهو يعمل، بشكل خاص، على تعزيز التلاحم بين الجماعات ويقوي مركز الزعامات. والتفكير أنه من الممكن القضاء على الصراع هو ضرب من الخيال. ومن أشكال إدارة الصراع التقليدية استراتيجيات الردع وموازنة القوى. وإذا أريد حل الصراع أو تسويته فإن ذلك يحتاج في كثير من الأحيان إلى تدخل طرف ثالث لتسهيل هذه العمليات. وتختلف الآراء حول الصورة النموذجية للطرف الثالث حيث يوجد انقسام واضح بين الذين يرون ذلك الطرف الثالث وسيطاً والذين يرونه عاملاً على الإقناع. فالبعض يرى أن الطرف الثالث المفترض يجب أن يكون لديه من النفوذ ما يسمح له بإثبات وجوده لدى الطرفين. وفي الجانب المقابل تحاول ورشات حل المشاكل تحقيق الحل عبر وسائل تسهيلية غير قسرية. وكثيراً ما تكون الوساطة الناجحة مرهونة بالتوقيت. ويعد عمل زارتمان (Zartman) (1985) متميزاً في هذا الصدد.

انظر   Arms race  (سباق التسلح)؛   civil war  (الحرب الأهلية)؛

 coup d'ιtat (الانقلاب)؛ game theory   (نظرية الألعاب)؛  

insurgency  (التمرد)؛   pacifisim  (السلامية)؛

 (revolution)  الثورة؛   terrorism  (الإرهاب).

إدارة الصراع                                      Conflict management

يطلق هذا المصطلح على أي وضع يكون فيه الصراع جارياً مع تجنب أو تلطيف أسوأ ما فيه من إفراط. ومن شأن إدارة الصراع، بشكل خاص، السعي لتفادي أو إنهاء العنف بين الأطراف. تتم إدارة الصراع، عادة، بواسطة استراتيجيات الردع المتبادل العام. وينظر تقليدياً إلى ميزان القوى على أنه نظام لإدارة الصراع استناداً إلى هذه الأفكار. ويمكن لوضع اللاحرب واللاسلم ضمن نظام من الردع المتبادل والعام أن يستمر لمدة طويلة نسبياً. وتظهر العلاقات بين الخصوم المفترضين عادة علامات تحسن أو تدهور حسبما يكون عليه الحال. وإذا امتد التدهور ليصل إلى العنف فعندئذ يمكن إعادة الإدارة عبر مسكنات مثل إيقاف إطلاق النار واتفاقيات الهدنة. ويجب اعتبار السعي لتحقيق السلام على أنه وظيفة تسوية الصراع وحل الصراع وليس إدارة الصراع.

أبحاث الصراع                                            Conflict research

ميدان للبحث الأكاديمي ضمن العلاقات الدولية. وينطلق من حيث أساسه من أن الصراع عملية شاملة مشتركة بين جميع الأنظمة السلوكية. لذلك من الممكن اقتراض النظرات المتبصرة والأفكار وأساليب البحث من علوم أخرى وتطبيقها على ميدان الدراسة. وقد طُبّقت نظرياتها ومفاهيمها ومقارباتها على كل مستوى من مستويات التحليل وبهذا المعنى تعد أبحاث الصراع اصطفائية. وخلافاً للدراسات الاستراتيجية أو أبحاث السلام، فإن أبحاث الصراع تحاول تجنب الاضطلاع بالتزامات فلسفية مسبقة سواء كانت مؤيدة أو مناهضة للحرب وأشكال العنف الأخرى. وتميل بنيوياً إلى تبني وجهة نظر مختلطة الفاعلين وتعددية والابتعاد عن الانحياز إلى التمحور حول الدولة الذي يقترن بالدراسات الاستراتيجية. في هذا الصدد فإنها أشبه ما تكون بأبحاث السلام. بل من الصعب عملياً تحديد أين تنتهي أبحاث السلام وأين تبدأ أبحاث الصراع. وهكذا يشار الآن إلى عمل بورتون (Burton) قريب العهد (1990) ضمن أبحاث الصراع (Mitchell in Groom & Light, 1994). وقد يرى آخرون في هذا النوع من العمل ميلاً لإدخال قيم في الدراسة مما يجعلها أقرب إلى أبحاث السلام.

حل الصراعات                                        Conflict resolution

مقاربة تنطوي على درجة عالية من التحدي في تحليل أسباب وحلول حالات الصراع. لتحقيق الحل يُعتقد أنه لابد للأطراف من إعادة تحديد علاقاتهم بحيث تبين لهم أنه إما أن يمكنهم تحقيق أهدافهم من دون صراع أو أن يكون بوسعهم إعادة تحديد علاقتهم بحيث لا تعود أهدافهم تتصادم. وخلافاً لأساليب تسوية الصراعات، يميل الحل ميلاً قوياً إلى الأساليب الأكاديمية بدلاً من الأساليب الدبلوماسية (مع أنه لاشك أن الأكاديميين سيقولون إنهم يتصرفون كـ "دبلوماسيين حقيقيين" في مسعاهم). لقد استخدمت أساليب الحل بشكل خاص دراسات تجريبية لجماعات صغيرة ("ورشات حل المشاكل") مستقاة من علم النفس الاجتماعي. وقد سمّى بورتون ورشات العمل تلك تمارين "اتصال مفيد". ولقد ركّزت الدراسات التجريبية بشكل خاص على حالات الصراع الطائفي حيث تحول الكوابح دون الاتصال وجهاً لوجه وحيث تعتبر هذه الأساليب فعالة بشكل خاص. ومع أن حل الصراعات مسألة تقتضي الكثير من إِعمال الخيال وتنطوي على تحريض الفكر فلربما كان مقدراً لها أن تبقى نموذجاً مثالياً في مفردات إنهاء الصراع يمكن قياساً لها الحكم على النتائج الدبلوماسية.

 

تسوية الصراعات                                  Conflict settlement

مصطلح مزدوج المعنى لانتهاء أو إنهاء حالات الصراع. فقد تتم تسوية الصراع بانتصار أحد الطرفين على الآخر. وينطوي الانتصار بوصفه شكلاً من أشكال تسوية الصراعات على الإخضاع والهزيمة والإذعان. وكان هذا، تاريخياً، شكلاً هاماً من أشكال التسوية. ويتمثل شكل آخر بتغيير واحد أو أكثر من الأطراف الأساسية في الصراع. فقد تكون قيادة جديدة مستعدة لقبول تدبير كان يجده من سبقهم في المركز غير مقبول. فهذا النوع من التسويات ينطوي على استعداد الأطراف لقبول الحل الوسط. ويعد عمل زارتمان (1989)، مع أن عنوانه "ناضج للحل" أقرب إلى فكرة التسوية حسب التعريف الوارد هنا. وبالطريقة نفسها فإن مفهوم فيشر (Fisher) الذي دعاه "yesability" (قابلية الموافقة) (1981 و1988) يتعلق بتسوية الصراعات عبر المساومة. وفي عدد قليل من الحالات يمكن استخدام القضاء والتحكيم لتسوية الخلافات.

اشتباك بنَّاء                                 Constructive engagement

مصطلح يطلق على سياسة الولايات المتحدة نحو جنوب افريقيا من 1980 فصاعداً. ويعود هذا المصطلح إلى تشستر كروكر (Chester Crocker)، مساعد وزير الخارجية للشؤون الافريقية ويطلق على محاولات الولايات المتحدة إصلاح نظام جنوب افريقيا من خلال العمل من داخله واحترام قواعده. فهو شكل من أشكال الدبلوماسية "الهادئة" التي سعت إلى تشجيع التغيير الذي قاده البيض في المنطقة، مع التركيز بشكل خاص على ناميبيا وانسحاب القوات الكوبية من انغولا. ومع أن افريقيا الجنوبية احتلت مكاناً هاماً على جدول أعمال السياسة الخاصة للولايات المتحدة فإنه في الواقع لم يكن لها تأثير سياسي قوي في المنطقة وكان يغلب على الجهود من جانب واحد في معزل عن الاتحاد السوفياتي أن تبوء دائماً بالفشل. وكانت التناقضات التي تنطوي عليها سياسة الولايات المتحدة (في رغبتها إنهاء الفصل العنصري والمحافظة في الوقت نفسه على نظام مؤيد للغرب) والتي كانت ظاهرة في العقوبات شديدة الاصطفائية المفروضة ضد جنوب افريقيا بموجب قانون مناهضة الفصل العنصري لعام 1986، تعني أن الولايات المتحدة لم يكن ينظر إليها بوصفها وسيطاً شريفاً من قبل جميع الأطراف المعنية. في 1988 – 9، وبنتيجة مبادرات غورباتشوف السوفياتية الجديدة في افريقيا الجنوبية، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بربط قضية استقلال ناميبيا بالانسحاب المرحلي للقوات الكوبية. وقد حققت ناميبيا الاستقلال في 1990 واعتبرت في بعض الأوساط انتصاراً لسياسة الاشتباك البنَّاء. ويستخدم هذا المصطلح في كثير من الأحيان كرديف لعبارة "الحوار النقدي".

 

الاحتواء                                                           Containment

مفهوم غامض يُفترض أنه المبدأ الموجّه للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد الحرب. كان أول من دعا إليه الدبلوماسي جورج كينان (اكس) (George Kennan (X)) حين أعلن في 1947 أن أساس السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن يتضمّن "احتواءاً طويل الأجل وصبوراً ولكن صارماً ويقظاً للنزاعات التوسعية الروسية". وكانت حجة كينان تنطوي على الفكرة القائلة إن السياسة الخارجية السوفياتية كانت تُحرِّكها الافتراضات الماركسية / اللينينية المتعلقة بالثورة العالمية وتدمير الرأسمالية، وأنها تستدعي سياسة موضوعة بعناية لقوة مناهضة على حدودها الخارجية. والهدف من تلك السياسة كان إبقاء الاتحاد السوفياتي ضمن الحدود العسكرية التي رُسِمت في نهاية الحرب العالمية الثانية. وبهذا المعنى يمكن اعتبار الاحتواء على أنه استرضائي لا عدواني صريح، كما اقترح محللو الحرب الباردة التعديليون (revisionist). وقد امتزجت سياسة الاحتواء، من حيث الوظيفة، مع مبدأ ترومان ومشروع مارشال وكانت عناصرها الرئيسية إبرام تحالفات عسكرية (في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والشرق الأقصى)، وتقديم المساعدات الاقتصادية وأشكال سرية من الحرب السياسية والاقتصادية داخل مجال النفوذ السوفياتي وخارجه.

 وقد اشتملت سياسة الاحتواء، حسب مفهوم ترومان وآيزنهاور لها، على أفكار مناهضة للثورة تتعلق بتحرير تلك المناطق الخاضعة للسيطرة الشيوعية أو لتهديدها. وهكذا، فقد صُوِّرت الحرب الكورية وحرب فيتنام من منطلق هذا الإطار. على أن كينان احتج في "مذكراته" (1967) على هذا التفسير التقليدي للمبدأ المقترن باسمه وجادل بشكل خاص بأن صياغته الأولى للاحتواء لم تتضمن عسكرة السياسة الخارجية للولايات المتحدة ولا الأبعاد العالمية التي اتخذتها بهذه السرعة. وفي دفاع متأخر نوعاً ما، جادل كينان بأن غرضه الأصلي كان اقتراح "احتواء سياسي لخطر سياسي" وليس احتواء نشطاً للاتحاد السوفياتي بوسائل عسكرية. كما احتج على قدرة الولايات المتحدة غير المحدودة على ما يبدو التي أصبحت عليها وعلى توسعة المصالح الأمريكية الحيوية لتتجاوز أوروبا الغربية ونصف الكرة الغربي وخصوصاً على الصورة المشوهة التي كانت تحملها عن طبيعة الخطر الشيوعي:

"إذا كنت مؤلف "مبدأ احتواء" عام 1947 فقد كان مبدأ فَقَد الكثير من أساسه المنطقي بموت ستالين ويتطور الصراع السوفياتي – الصيني. إني أنكر بكل تأكيد أي جهود ترمي إلى زجّ ذلك المبدأ اليوم في أوضاع لا تمت ولا يمكن أن تمت بصلة صحيحة إليها. (1967)"

مع أن بعض المعلقين يجادلون بأن الاحتواء ما زال يشكل (وإن كان بشكل غير محكم) أساس السياسة الخارجية للولايات المتحدة لغاية 1989، فإن معظم المحللين يتفقون على أن الانفراج وتعدد المراكز والانقسام الصيني – السوفياتي وتقارب الولايات المتحدة مع الصين، والتسوية في جنوب شرقي آسيا، فضلاً عن مختلف اتفاقيات الحد من الأسلحة قد خفّفت من حدة الاحتواء إلى الحد الذي لم يعد معه مفيداً في فهم الإطار الفلسفي أو الايديولولجي الذي ظهرت منه السياسة الخارجية للولايات المتحدة. على أنه ما من أحد يشك بالالتزام الذي يكاد يكون مَرَضياً بالمبدأ من جانب صانعي القرار في الولايات المتحدة في الفترة الأولى لما بعد الحرب. فهل كان هذا سبب الحرب الباردة أو نتيجة لها؟ ذلك نزاع تاريخي وليس سياسياً.

انظر  Clinton Doctrine (مبدأ كلينتون).

المواد الحربية المحظورة                                          Contraband                  

هي المواد التي يجوز لأحد المتحاربين، بموجب القانون الدولي، مصادرتها عند توريدها إلى الطرف الآخر من قبل طرف حيادي. غير أن تعريف "المواد الحربية" كان دائماً موضع جدل وقد مالت التفاسير إلى التوسع في تحديد تلك المواد. ففئة "المحظورات الشرطية" تشير إلى مواد مصادرة قد تكون الغاية منها استعمالها لأغراض سلمية بريئة ولكن يكون أحد الأطراف المتحاربين اعتبرها تفيد المجهود الحربي. وفي عصر الحرب الشاملة، انهار التمييز بين السلع المسموح بها وغير المسموح بها مما أدى في حربي القرن العشرين العالميتين في كثير من الأحيان إلى توتر العلاقات بين المتحاربين والحياديين. وقد أدّى عدم توفر نصوص قانونية قاطعة وواضحة إلى الكثير من التفسير الذاتي في هذه القضية.

 

نعت                                                              Conventional

بمعنى "عادي" أو "تقليدي" ويستفيد المحلل من استعماله في تحليل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية كلما أراد التمييز بين ما جرى في الماضي وما يجري في الوقت الراهن أو ما هو متوخّى للمستقبل. وهذا النعت مناسب بشكل خاص حين يكون التغيير قد حدث وتدعو الحاجة إلى إجراء مقارنة مع الماضي.

فالأسلحة التقليدية تميز كثيراً ما يستخدم في التحليل الاستراتيجي للتفريق بين أسلحة الدمار الشامل والأسلحة القديمة أو "التقليدية" التي استخدمت لمدة قرون في الحروب. ومن المؤكد أن الأسلحة النووية لم تقلص نطاق الأسلحة التقليدية. بل إن العكس قد يكون هو الصحيح، أي أن المشاكل والمصاعب المقترنة بالاستعمال الفعلي للأسلحة النووية قد عزّز أهمية "العتبة" بين الأسلحة النووية والتقليدية. ولقد كانت هذه الاعتبارات هي الدافع وراء رغبة الولايات المتحدة بأن يتّجه حلف الناتو إلى رد الفعل المرن بعد 1962.

كما أنه يمكن التمييز بين الحرب التقليدية وغير التقليدية. فتلك الأخيرة ينظر إليها في كثير من الأحيان بوصفها حرب عصابات تعتبر "غير تقليدية" بسبب أنواع القوات والتكتيكات المستعملة وليس بسبب أنواع الأسلحة.

 

الاتفاقيات المعنية بقواعد الحرب

 

Conventions on the rules of warfare

لقد كانت القواعد المتصلة بالسلوك أثناء الصراع المسلح حتى منتصف القرن التاسع عشر، جزءاً من القانون الدولي العرفي. ومنذ ذلك الوقت جرت محاولات عديدة لجمع وتنسيق قواعد الحرب في سلسلة من الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف. ويشار إليها بصفة عامة بـ "قانون جنيف" و"قانون لاهاي". وقد تناول قانون جنيف بشكل رئيسي حقوق وحماية الذين لم يشتركوا مباشرة في القتال واهتم قانون لاهاي بحقوق وواجبات المتحاربين الفعليين. وقد وُضِعت اتفاقيات جنيف كما يلي: 1864 و1907 (المعاملة الإنسانية للجرحى والمرضى في المعركة)، 1929 (الجرحى والمرضى زائداً معاملة أسرى الحرب)، 1949 (الجرحى والمرضى والذين غرِقت سفنهم وأسرى الحرب وحماية المدنيين في زمن الحرب)؛ 1977 (بروتوكولات إضافية تتعلق بحماية أوسع شمولاً لغير المقاتلين وبالمشاكل الناشئة عن الحروب الداخلية). وبحلول 1986 أصبح عدد الأطراف المنضمين إلى اتفاقيات جنيف المذكورة 160 طرفاً (بما في ذلك الأطراف من غير الدول مثل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤتمر عموم افريقيا ومنظمة شعوب جنوب غربي افريقيا (SWAPO). وإضافة إلى هذه القواعد المتضمنة في القوانين والتي تفتقر بالطبع إلى العقوبات فإن المتحاربين، سواء أكانوا أم لم يكونوا أطرافاً في هذه الاتفاقيات، ملزمون بموجب القانون الإنساني الدولي العرفي الذي يحظر القسوة غير اللازمة أو السلوك الطائش. ومن 1864 فصاعداً اقترنت هذه الاتفاقيات بأنشطة حركة الصليب الأحمر الدولية (التي كانت في بادئ الأمر تعرف باسم اللجنة الدولية لمساعدة الجنود الجرحى) التي أسست في سويسراً عام 1863 والتي قامت في 1949 رسمياً بتوسعة نطاقها لتشمل حماية المدنيين الذين انقطعت بهم السبل في نزاع مسلح.

 

نظرية التقارب (الالتقاء عند نقطة واحدة)                Convergence  theory

هي الفكرة القائلة إن منطق النمو الصناعي والتكنولوجي في الدول المتقدمة يؤدي إلى أنماط متقاربة (متلاقية) للهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصرف النظر عن الاختلافات الرسمية، الايديولوجية أو التاريخية. مفاد هذه النظرية التي قال بها مُنظّرون مرموقون مثل رايموند آرون (Raymond Aron) وجيه. كيه. غالبرايث (J. K. Galbraith)، أن مقتضيات النمو التكنولوجي والاحتياجات التقنية والإدارية للدولة بعد الصناعية تجبر المجتمعات على اعتماد ممارسات مشتركة أو صحيحة فيما يتصل بشكل خاص بالقطاع الاقتصادي. وقد بيّن النقاد أنه بالرغم من التماثل في درجات النمو التكنولوجي والاقتصادي فإنه لا توجد ضرورة مطلقة للتقارب (التلاقي). فأنواع مختلفة من الأنظمة السياسية يمكن أن تتعايش بل وتتعايش بالفعل في مراحل متماثلة من التطور الاقتصادي، دون تطوير أشكال مشتركة من التنظيم الاجتماعي. وفي العلاقات الدولية يمكن اعتبار الفكرة تنويعاً للرواية الواقعية التقليدية التي مفادها أنه بالرغم من الاختلافات الايديولوجية الرسمية فإن من المحتمل أن تتصرف القوى العظمى بالطريقة نفسها إلى حد بعيد بشأن مشاكل الأمن القومي وحماية المصالح.

مجلس أوروبا                                          Council of Europe

كُرِّس النظام الأساسي للمجلس الموقع في مايو 1949 من قبل بلجيكا والدانمارك وفرنسا وايرلندا وايطاليا واللوكسمبورغ وهولندا والنروج والسويد والمملكة المتحدة في مقدمته من أجل "وحدة أوثق بين جميع البلدان الأوروبية ذات التوجّه الذهني الواحد." وبرغم الإشارات إلى "الوحدة" فإن المجلس منظمة دولية لا تدعي ولا تطمح إلى ما فوق القومية. بل إن المقدّمة تشير لاحقاً إلى مجرد "تجمع أوثق" بين الدول الأعضاء. وتحول المادة الأولى من النظام الأساسي دون قيام المجلس بالنظر في أمور تتعلق بالدفاع الوطني. وقد كان يوجد سببان لهذا الاستبعاد بالغ الصراحة في ذلك الوقت: فمعاهدة شمال الأطلسي الموقعة في الفترة قريبة العهد كانت تعني أن ما كان سيصبح حلف الناتو سيعالج هذه المسائل كما أن وجود دول حيادية مثل ايرلندا والسويد في المجلس حال دون الإشارة إلى القضايا العسكرية.

نصت المادة 11 على أن العضوية مفتوحة لجميع الدول التي تقبل مبدأ حكم القانون والحريات الأساسية وحقوق الإنسان. وقد أخذ بروتوكول لاحق لمعاهدة لندن عهداً على الدول الموقعة بأن تجري انتخابات حرة في فترات ضمن حدود المعقول بالاقتراع السري. وقد تعزّز الاتجاه القوي للمجلس نحو أجندة حقوق الإنسان في نوفمبر 1950 عندما أبرم الأعضاء الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وقد أنشأت الاتفاقية لجنة ومحكمة لحقوق الإنسان. وقد حقق عمل هذه المحكمة مساهمة جوهرية في تطوير مبادئ عامة للقانون الدولي بشأن هذه القضايا منذ ذلك الوقت. وعلاوة على هذا العمل كان النشاط الأساسي للمجلس طيلة فترة الحرب الباردة العمل كقناة اتصال بين الدول الأوروبية، ولا سيما بين أعضاء الجماعة الأوروبية والاتحاد الأوروبي وأن يكون مِحكّاً لمبادئ الحكومة التمثيلية والمسؤولة ضمن القارة. فقد علق المجلس عضوية كل من اليونان وتركيا خلال فترات الحكم العسكري وصادق على صحة عملية إشاعة الديمقراطية في البرتغال واسبانيا في سبعينيات القرن العشرين.

 وقد وسعت أحداث ما بعد 1989 دور المجلس بوصفه مصادقاً على صحة الثبوتيات الديمقراطية. وقد أوجد انهيار الاتحاد السوفياتي غرفة انتظار لدول أوروبا الشرقية والوسطى الراغبة في الانضمام إلى كامل مظلة المنظمات الإقليمية. فقد اعتبرت عضوية المجلس تأكيداً لتغير وضعها كديمقراطيات  وموطن قدم لها للمستقبل. وقد بلغ عدد الأعضاء الآن 38 دولة مع وجود 6 دول أخرى ضمن الفئة الخاصة بـ "الضيوف". وتتكون الهيئات الرئيسية للمجلس من لجنة الوزراء والجمعية البرلمانية (الجمعية الاستشارية سابقاً). ويوجد أيضاً كونغرس للجمعيات الإقليمية والمحلية ولجنة أوروبية للديمقراطية عبر القانون.

 

مناهضة التمرد                                  Counter - insurgency

نوع من الحرب غير النظامية تسعى إلى أضعاف الروح المعنوية لدى المتمردين وهزيمتهم باستخدام معكوس للتكتيكات ذاتها بغية تحييد تخطيط المتمردين. وتسعى مناهضة المتمردين بصورة خاصة إلى فصل رجال العصابات عن السكان المحليين بجذبهم وإبعادهم عن رجال العصابات. ويشار إلى ذلك أحياناً بلغة الولايات المتحدة بعبارة حملات "القلوب والعقول". فانطلاقاً من مناطق قواعد مأمونة يحاول المناهضون للمتمردين توسعة مناطقهم الأمنية لتشمل مناطق متنازعاً عليها ومتمردة. هذا البرنامج "السلامي" أساسي إذا أريد تأمين مستوى مقبول من النظام المدني. تقتضي مناهضة التمرد الاعتراف بالحاجة إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بغية إزالة مظالم السكان. وهذا الشرط الأساسي المسبق هو أكثرها صعوبة في التحقيق، كما تدل على ذلك تجربة الولايات المتحدة في محاولة بناء فيتنام الجنوبية المستقلة خلال تدخلها في الحرب الفيتنامية. ورغم هذه التجربة فقد تم بنجاح خوض حروب مناهضة للمتمردين في الفلبين والملايو بعد 1945.

 

القوة المعاكسة                                           Counter force        

مصطلح له معنيان متميزان في التحليل الاستراتيجي. يطلق بصورة عامة على القرار المتعمّد باستهداف قوى عدو محتمل قبل خوض الحرب وتنفيذ سلسلة من الهجمات لتجريده من السلاح عندما تكون الحرب قد بدأت. بهذا المعنى، اعتبرت القوة المعاكسة على أنها تقدم السبب المنطقي التقليدي لحيازة القوات العسكرية واستخدامها من جانب أحد الأطراف. ومع أن استراتيجيات القوة المعاكسة يمكن استخدامها في أي مرحلة من مراحل العنف فإن استخدامها في مرحلة مبكرة كثيراً ما اعتبر بأنه يزيد من فعالية تلك العمليات.

 وقد استعمل هذا المصطلح كثيراً في فترة الحرب الباردة في العلاقات الدولية بمعنى أضيق للإشارة إلى قدرة معنية. فاستراتيجيو الحرب النووية يشيرون بشكل خاص إلى "قدرة قوة معاكسة" بمعنى حيازة أسلحة من الدقة بحيث تمكّن المهاجم المفترض من تجريد مهاجم آخر من السلاح إلى حد كبير وذلك قبل أن يتمكن ذلك الأخير من الهجوم بقواته. وقد زُعِم أن التطورات قريبة العهد في تكنولوجيا الأسلحة والتي أنتجت أنظمة "ذكية" أو "المعية" تحت مظلة الثورة في الشؤون العسكرية، زُعِم أنها عززت قدرات القوة المعاكسة للدول التي تستخدم هذه التكنولوجيات. وقد تدعو الحاجة إلى معالجة الادعاءات، بأن تلك الأسلحة قد تقلل إلى حد كبير الضرر غير المباشر، بشيء من الحذر.


 

الانقلاب                                                           Coup d'ιtat

معنى المصطلح الحرفي ضربة مفاجئة وحاسمة توجه إلى سياسة الحكومة. ويقترن المصطلح في الاستعمال الشعبي بتغيير مفاجئ وغير دستوري للحكومة أو للنظام الحاكم. وبهذا المعنى فإن الانقلاب هو من مفردات الحركات الراديكالية والثورية، مع أن القيام بالانقلابات لا يقتصر على الثوريين. ومن جهة معاكسة من غير الضروري القيام بانقلاب من أجل القيام بثورة. فالصلة بين الانقلاب بوصفه أداة، وللثورة بوصفها وسيلة، للتغيير ليست ضرورية ولا كافية.

فبوصف الانقلاب أداة للتغيير يمكن المقابلة بينه وبين انتفاضة الجماهير. ففي الحالة الأولى يكون القائمون على الانقلاب جماعة صغيرة من المتآمرين الذين ينتهزون الفرصة لإزاحة القائمين على الحكم من خلال التحرك بسرعة وتصميم بغية اعتقال الزعماء وتقييد تحركاتهم والاستيلاء على الشرايين الرئيسية لسلطة الدولة. وقد يستخدمون الكثير من العنف لتحقيق هذه التغييرات أو قد يتم تحقيقها بطريقة "غير دموية". تتمثل الأمور المحددة الحاسمة لهذه النتائج بمدى الدفاع المتوفر للقائمين على الحكم. لهذا السبب فإن مؤسسات الدولة العسكرية تلعب دوراً هاماً في تحديد مستوى العنف اللازم لتحقيق انقلاب ناجح. وإذا كان العسكريون هم الذين يقومون بالانقلاب فإن هذا يحسم القضية، على الأقل في الأجل القصير، لأن قدرتهم على توفير قوة قسرية كافية سوف يكتب لها النجاح. وإذا لم يتوفر ضمان الدعم أو المساعدة لزعماء الانقلاب فقد يضطرون لمواجهة معارضتهم لاحقاً. في هذه الحالة فإن محاولة الانقلاب التي تقاومها بعض القوات المسلحة أو جميعها يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية. فالحرب الأهلية في اندونيسيا عام 1965 تلت محاولة انقلاب فاشلة عارضها الجيش وقد جاءت الحرب الأهلية في بيافرا على اثر انقلابين في 1966. ويبدو أن قول تروتسكي إن الانقلاب يمكن أن ينجح بدون الجيش لكنه لا يمكن أن ينجح ضده ذو مغزى في هذا السياق.

يُظهر العالم الثالث ميلاً قوياً إلى الانقلابات كأداة لتحقيق التغيير السياسي. وهذا ينطبق أيضاً على أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا. وتكاد تكون جميع تلك الانقلابات بدون استثناء قد قامت بها أو دُعِمت من قبل المؤسسات العسكرية في هذه الدول. بل إن فترات طويلة من الحكم العسكري كانت تلي تلك الانقلابات. في بعض الأحيان كان العسكريون يعودون إلى ثكناتهم بسرعة نسبياً ولكن ليس قبل تصفية الزعماء السياسيين.

بموجب مبدأ الاعتراف القانوني يتعين على الدول الأخرى مواجهة قرار منح الاعتراف أو حجبه. وبالنظر للطابع غير الدستوري للتغيير قد يبدو حجب الاعتراف المباشر أفضل الخيارات. من جهة أخرى إذا كانت القيادة الجديدة تسيطر فعلياً على زمام الأمور فقد لا تكون هناك جدوى من المواربة. وكثيراً ما تتأثر تلك القرارات باعتبارات سياسية ودبلوماسية بقدر الاعتبارات القانونية.


<< Next Previous >>